وكما غيّب معدو مناهج التاريخ دور المرأة في تأسيس الدولة الإسلامية الأولى وبنائها الحضاري في العهد النبوي فقد غيّبوه في باقي العصور التاريخية الإسلامية، وسأتوقف في هذا المقال عند العصر الراشدي، وسأبدأ بدورها السياسي:

1. شاركت بالقتال في حروب المتمردين الممتنعين عن دفع الزكاة، فقد استأذنت نُسيبة بنت كعب (أم عمارة) من سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه الالتحاق بالجيش، فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: لقد عرفنا بلاءك في الحرب فاخرجي على اسم الله، فخرجت ومعها ابنها حبيب بن زيد بن عاصم، وأبلت في هذه المعركة بلاءً حسنًا، وتعرضت إلى كثير من المخاطر، وهي ثابتة مقدامة، وكانت تتمنى الشهادة، وأسَر مسيلمة الكذاب ابنها وعذّبه حتى مات، وخرجت أم عمارة مع ابنها عبد الله إلى معركة اليمامة، وكانت معركة قاسية أظهرت فيها من الفدائية ما يذهل أعظم الرجال، وكانت حريصة على أن تقتل مسيلمة بيدها ثأرًا لابنها الحبيب، ولكن تمكَّن منه ابنها عبد الله مع وحشي بن حرب، وخرجت أم عمارة من المعركة باثني عشر جرحًا بعد أن فقدت ذراعها، وفقدت ابنها الآخر عبد الله، وقد زارها أبو بكر(رضي الله عنه)، وقال عن ذراعها الذي فقدته بأنّه قد سبقها إلى الجنة.

2. أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أشارت على أخيها الفقيه العالم عبد الله في مسألة التحكيم، وأخذ برأيها، وعندما كان سيدنا عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) يتجوّل في الليل كعادته ليطمئن على أحوال الرعية سمع امرأة تقول:»لولا خوفي من الله لاهتز سريري، فسأل عن زوجها، فأُخبر أنّه في ساحة القتال، فذهب على الفور إلى ابنته حفصة، وسألها عن أقصى مدة يغيب فيها الزوج عن زوجته دون أن تُفتن، فقالت له أربعة أشهر، فأمر على الفور بعودة الجنود الذين أمضوا أربعة أشهر في ساحات القتال.

3. استشارة النساء في مبايعة سيدنا عثمان بن عفّان (رضي الله عنه)، وقد وثّق هذا الحدث ابن كثير في البداية والنهاية، فكتب: «ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيها، ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى، ومجتمعين، سرًا وجهرًا حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن•[ابن كثير: البداية والنهاية،7157،ط2، 1417هـ 1997م، دار المعرفة، بيروت ــ لبنان]

4. هناك حلقة مفقودة في أحداث الفتنة التي حدثت إثر قتل سيدنا عثمان(رضي الله عنه) بشأن موقف السيدة عائشة رضي الله عنها من مقتله أساء فهمه إخوتنا الشيعة، فكان من الضرورة بمكان توضيحه لتصحيح اللبس بشأنه، فهي لم تخرج لقتال سيدنا علي(رضي الله عنه)، وإنّما ترأست وفد الصلح الذي توجه إلى البصرة إثر مقتل عثمان(رضي الله عنه)، ونجحت في مفاوضات الصلح، ولكن عندما شعر أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي مثيرو الفتنة بحدوث الصلح دفعوا كل فريق إلى قتال الفريق الآخر حتى قال بعض الصحابة وجدنا أنفسنا نندفع لقتال بعضنا البعض!

5. الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف القرشية: صحابية جليلة ذات عقل وفضل ورجاحة رأي كان عمر بن الخطَّاب يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضلها، وقد ولاَّها الحسبة، وهذا يعني أنَّها كانت مستشارة للفاروق رضي الله عنه.

ثانيًا: دورها العلمي:

لقد أسهمت المرأة في العصر الراشدي في الحركة العلمية، وبناء أسس الحضارة الإسلامية، فقد روت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وكانت تُفتي في زمني أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد ملأت فتاويها كتب الصحاح، وكان كبار الصحابة وأعلامهم يستفتونها ويرجعون إليها، وكانت لها استدراكات على الصحابة، وأُخذت ربع الأحكام الفقهية منها، وكذلك أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ،التي روت الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولها فتاوى مذكورة في كتب الحديث، وولاها عمر (رضي الله عنه) نظارة الوقف الذي أوقفه، وائتمنها على النسخة الوحيدة للقرآن الكريم فحفظها عندها، ولم يحفظها عند كبار الصحابة مثل عثمان وعلي رضي الله عنهما، وكذلك أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية: وهي آخر امرأة تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، ودخل بها، وفيها نزلت:(وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي)، وكانت تفتي، وكانت الشفاء بنت عبد الله من بني عدي تُرقي من النملة، وقد استشارت الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذه الرقية فأجازها[ابن الأثير أسد الغابة 5/487.]،كما أجاز نساء أخريات منهن خالدة بنت أنس الأنصارية [المرجع السابق:5/433.]،وأسماء بنت عميس [المرجع السابق:5/396.]

هذه نماذج من مساهمات المرأة في بناء الدولة الإسلامية السياسي والحضاري قي العهد الراشدي الذي تمّ تجاهله في مناهجنا للتاريخ.