أواصل الحديث عن إسهامات وإنجازات المرأة المسلمة في الحضارة الإسلامية في مختلف المجالات، وقد تحدثتُ في الحلقة الماضية عن دورها في المجاليْن القتالي والسياسي، وسأتحدث اليوم عن: دورها في تأسيس العلوم الإسلامية.

كان للمرأة حضور في المجتمع الإسلامي منذ اللحظة الأولى لظهور الإسلام، فكانَتْ تتعلَّم من الرجال والنساء وتُعَلِّم الرجال والنساء، وترحل لطلب العلم، ويقصدها الطلاب لأخذ العلم عنها، وتصنِّفُ الكتب، وتُفْتِي، وتُستشار في الأمور العامَّة، ولم تَكُنْ حبيسةَ منزِلٍ أو حجرة، أو أسيرةً في مهنة معيَّنة، بل كان المجال مفتوحًا أمامها تظله الشريعة الغراء، ويرعاه الطٌّهر والعفاف.

ولو أخذنا مثالًا واحدًا يتعلق بتأسيس العلوم الإسلامية، ندرك جيدًا أنّ ثمة آلاف النساء اللواتي كنَّ خلال القرون الأولى المتتالية من الأوائل من بين أخريات في تأسيس العلوم الإسلامية، وبالخصوص علم الحديث الذي يعتبر من العلوم الأساسية في مجال العلوم الإسلامية.

وعليه فدور النساء العالمات كان فريدًا في تاريخ الحضارة الإسلامية قبل العصر الحديث، ولا يوازي الدورَ العظيم والبارز الذي قُمن به دورٌ في تطور وحفظ المعرفة الدينية الإسلامية خاصة السنة النبوية.

لقد اكتشفت دراسات معاصرة للعصور الأولى للوحي إسهامات ثمانية آلاف امرأة في كل العلوم الإسلامية كالحديث والتفسير والفقه .Akram Nadwi, « the muhaditates » introduction d’une encyclopédie de 40 volumes qui sera produite par l’université d’Oxford.

وقد ذكرت إسهاماتهن في كتابات المحدثين القدامى أمثال كتاب ابن حجر الذي أورد مشاركة أزيد من خمسمائة امرأة في كتاب «الإصابة»، وكذلك في فترة الوحي حيث أسهمت النساء الصحابيات المبايعات في التشييد السياسي للمدينة، ويعتبر ابن حجر من القليلين الذين ألفوا كتابًا عن حياة أكثر من مائة وسبعين امرأة عالمة مشهورة في القرن الثامن الهجري، كان أغلبهن من المتخصصات في الحديث وأصبح عدد كبير من شيوخه منهن. وقد أبرز أهمية عدد كبير من هؤلاء النساء اللواتي أصبحن مرجعًا لا غنى عنه في علم الحديث في عصرهن، من بينهن جوهرية بنت أحمد وعائشة بنت عبد الهادي اللتان كان يفد إليهما الطلبة من أقاصي الأرض لقراءة الحديث عليهما.

ونجد قوائم بأسماء النساء في الكتب التاريخية القديمة مثل كتب الإمام النووي: «تهذيب الأسماء»، وخالد البغدادي: «تاريخ بغداد»، والسخاوي: «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»، بالإضافة إلى مؤلفين كثر ذكروا النساء في كتب التراجم والطبقات ككتاب «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الأثير، «سير أعلام النبلاء» شمس الدين الذهبي، و»أعلام النساء» لرضا كحّالة.

كما أنّ الدراسة التاريخية لعملية تدوين الحديث تبين أنّ أهم جامعي الحديث في القرون الأولى حصلوا على الإجازات في الحديث عن النساء المحدثات. علمًا أنّ كل جامع كبير لمؤلف ما كان تحت سلطة أكاديمية مباشرة للنساء (شيوخ). فكثير من النساء العالمات بالسنَّة كانت لهن مجالسهن العامة حيث يعلِّمن ويعطين دروسًا في الحديث للطلبة الذين يحصلون على إجازاتهم مباشرة من النساء.

لقد امتدَّ عطاء المرأة المسلمة بعد الإيمان والهجرة والتضحية إلى المجال العلمي والتعليمي، فظهرت الفقيهة والمُحدِّثة والمفتية، التي يَقْصِدُها طلاب العلم، ويأخذ عنها بعض أساطين العلماء، وتفتي في بعض الأمور التي تخص عامة المسلمين، وظهر من العالمات المسلمات من تعقد مجالس العلم في كبريات المساجد الإسلامية، ويحضُر لها الطلاب من الأقطار المختلفة، وعُرف عن بعض الفقيهات والمحدثات المسلمات أنَّهن أكثَرْنَ من الرحلة في طلب العلم إلى عدد من المراكز العلمية في مصر والشام والحجاز، حتَّى صِرْنَ راسخاتِ القَدَم في العلم والرواية، وكان لبعضهن مؤلفات وإسهامات في الإبداع الأدبي، ومنهن السيدة نفيسة بنت الحسين المولودة بمكة سنة 145هـ نشأت بالمدينة حيث درست بها في شبابها في كبريات حلقات العلماء في عصرها، وفي حضن المسجد النبوي، وحضرت خلال تلقيها للعلم لحلقات الإمام مالك بن أنس.

ودرست الحديث النبوي والفقه حتى لقبت «نفيسة العلم»، عرفت أيضًا السيد نفيسة بعلاقتها الأخوية والعلمية الكبيرة مع الإمام الشافعي، مؤسس أحد كبار المذاهب الفقهية الإسلامية، وبالإضافة إلى الأخوة فقد كان بين هذين العالمين تعاون وتقدير فكري متبادليْن. فقد كان الشافعي يزور السيدة نفيسة كثيرًا، وفي شهر رمضان كان يؤم الناس في صلاة التراويح بمسجدها، فقد كان الشافعي بلا منازع أحد العلماء الأكثر معرفة بالسيدة نفيسة، أخذ من علومها الدينية الشيء الكثير، في الوقت الذي هو نفسه يعتبر من أكبر العلماء الذين عرفهم العصر، كما كان يحضر مجالسها، وكانا يتناقشان معاً في قضايا مختلفة تتعلق بالفقه وأصوله، وقد عرفت علاقتهما قوة كبيرة لدرجة أنّه لما يمرض كان يسألها الدعاء له. ويذكر أنّ الإمامَ أحمد بن حنبل كان يحضر مجالس السيدة نفيسة. فهذه العالمة تتلمذ عليها إذن اثنان من كبار العلماء المسلمين في العالم، الشافعي وابن حنبل.