من خلال مشاهدتي معظم حلقات مسلسل «أم هارون» تأكد لي أنّه يمثل وجهة النظر اليهودية الصهيونية، التي تزعم أنّ فلسطين هي أرض إسرائيل كما جاء في الحلقة الأولى على لسان مذيع مذياع المسلسل عند إعلانه قيام دولة إسرائيل، والحلقة (18) تؤكد أنّ هذا المسلسل يمثل بالفعل وجهة نظر اليهود الصهاينة؛ إذ استوقفني فيه مشهدان دلالاتهما في غاية الخطورة، المشهد الأول في بيت الملّا عبدالسلام، وهو يتحدّث إلى زوجته قائلًا:

الملّا: «شُفتْ أنا بنت داود وريّالها قاعدين مع صهاينة وإنجليز يساعدونهم».

زوجته تسأل: «صهاينة شولون صهاينة بعد.. أول مرة اسمعها»

الملّا: «صهاينة يعني يهود يبوا يروحون بلدهم علشان يشوفون أرضهم وأرض أجدادهم وأعمامهم».

زوجته: «خلهم يروحون يشوفونهم مشتاقين لأهلهم وأجدادهم وأعمامهم خليهم يروحون يعيشون هناك ليش لا؟»

بعدين إنت ليه مسميهم صهاينة أوّل مرة أسمعها؟ (نلاحظ تسأل عن معنى صهاينة مرتيْن في ذات الحوار)

الملا عبدالسلام: حبيبتي لو هم آخدين أرضك تقدرين تطلعين منها؟

زوجته: «خليهم يقربون أروح لهم أنا وأم هند وزنوبة، ولا أنا أروح لهم أصدهم.»

الملا: «سكتي سكتي سكتي الله يرحم والديك، مادام ما تعرفين حق السالفة ما تتكلمين فيها.»

في هذا الحوار يؤكد صُنّاع المسلسل أنّهم يُمثِّلون وجهة نظر الصهيونية العالمية؛ إذ يروْن أنّ فلسطين بلد اليهود وأرضهم وأرض أجدادهم وأعمامهم، وماداموا مشتاقين لأرضهم وأهلهم وأجدادهم وأعمامهم فليذهبوا إليها، وليعيشوا فيها، فلا مانع من ذلك، والسؤال: من أعطى لصُنّاع المسلسل الحق في التفريط في حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وإعطائها لليهود الذين لا حق لهم فيها، وقد حرّمها الله عليهم، حتى أنّ اسمها ورد في التوراة بأنّها أرض كنعان، وسكانها الفلسطينيون، ولم يرد قط في التوراة أنّها أرض إسرائيل؟ والصهيونية ليست يهود يبوا يروحون بلدهم علشان يشوفون أرضهم وأرض أجدادهم وأعمامهم، -كما قال الملّا-، وإنّما هي حركة سياسية يهودية، ظهرت في وسط وشرق قارة أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر ودعت اليهود للهجرة إلى أرض فلسطين بدعوى أنّها أرض الآباء والأجداد، وهي ليست بلادهم، فالخطوة التي تلي سيطرتهم على كامل الأراضي الفلسطينية، وجعل القدس عاصمة دولتهم هي الاستيلاء على باقي المقدسات الإسلامية، فهم لا يريدون القدس وفلسطين فقط، وإنَّما يريدون أيضاً المدينة المنورة، ومكة المكرمة ضمن دولة إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات ومن الأرز إلى النخيل التي يزعمون أنَّ الله وعدهم بها، وذلك تمهيدًا لخطوة كبرى، هي السيطرة على العالم بأسره كما جاء في بروتوكولات صهيون، ولنقرأ معًا هذا النص من البروتوكول التاسع: «يقف الناس من مختلف الآراء والعقائد في خدمتنا، سواءً منهم الملكيون والغوغائيون والاشتراكيون والشيوعيون وغيرهم من الطوبائيين، وقد حملناهم جميعًا على العمل، فكل واحد يحاول تحطيم آخر مظهر من مظاهر السلطة من الزاوية التي يراها، ويعمل على قلب النظام القائم، وقد لقيت جميع الحكومات العذاب من هذه الأعمال. ولكننا لن نمنحهم الطمأنينة حتى يعترفوا جميعًا بسيطرتنا المطلقة» وجاء في البروتوكول الرابع عشر هذا النص: «عندما نصبح حكامًا، سنعتبر وجود أية ديانة باستثناء دياتنا أمرًا غير مرغوب فيه، معلنين وجود إله واحد، يرتبط به مصيرنا بوصفنا شعب الله المختار الذي جعل من مصيرنا شيئًا مرتبطًا بمصير العالم، وعلينا لهذا السبب أن ندمِّر جميع الديانات الأخرى».

من هنا نجد أنَّ الصهيونية العالمية قد أقامت دولة إسرائيل في قلب وطننا العربي لتتمكن من تحقيق هدفها الأكبر، وهو السيطرة على العالم. ولقد صرَّح بهذا الدكتور «ناحوم جولدمان»رئيس المؤتمر اليهودي العالمي في محاضرة له في مدينة مونتريال في كندا سنة 1947م، فقال أنَّ اليهود اختاروا فلسطين ليس لمعناها التوراتي والديني بالنسبة إليهم، ولا لأنَّ مياه البحر الميت تعطي بفعل التبخر ما قيمته ثلاثة آلاف مليار دولار من المعادن وأشباه المعادن، وليس أيضًا لأنَّ مخزون أرض فلسطين من البترول يعادل عشر مرات مخزون الأمريكيتين معًا، بل لأنَّ فلسطين ملتقى طرق أوربا وآسيا وأفريقيا، ولأنَّ فلسطين تشكل بالموقع نقطة الارتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، لأنَّها المركز الاستراتيجي العسكري للسيطرة على العالم.»

كما نجدهم أرادوا غزو البحرين، والانطلاق منها بجيش قوامه (120) ألف جندي يهودي إلى الأحساء لاحتلالها وإنشاء دولة يهودية بها؛ إذ لم تكن الحركة الصهيونية غافلة عن الأهمية السياسية والاستراتيجية والاقتصادية لمنطقة الخليج العربي. فقد تقدم طبيب يهودي روسي يدعى مالرو شتيرن بصفته متحدثًا باسم الدولة اليهودية المقبلة بعرض إلى الحكومة البريطانية عن طريق سفيرها في باريس عام 1917 قبل صدور وعد بلفور بأن تقوم دول الحلفاء بتجهيز جيش من اليهود قوامه 120 ألف جندي في البحرين تضعه تحت قيادته لغزو واحتلال منطقة الأحساء التي ذكر أنّها تركية، وأن تعقد معاهدة مؤقتة معه من أجل خلق دولة يهودية على الخليج (العربي) الفارسي كما جاء في رسالته[يوسف المطيري: اليهود في الخليج: 376 نقلًا عن أحمد سوسة: الصهيونية، ص110]

هذا وناقشت الحكومة البريطانية هذا المقترح وردت عليه في 15 أكتوبر 1917 قائلة إنّه بصرف النظر عن الاعتراض العام لإدخال عنصر جديد في الجزيرة العربية وبصرف النظر عن المشكلة التي هي مثار الجدل حول مرغوبية إقامة دولة يهودية في أي مكان هناك أسباب خاصة لاعتبار المواقع المختارة لكل من تمركز الفرق اليهودية (البحرين) وللإقامة النهائية للدولة اليهودية المقترحة غير ملائمة تمامًا. [خالد البسام: كلنا فداك، ص 17- 18]

هذا وقد نشرت مؤخرًا المكتبة العامة البريطانية على مدونتها هاتيْن الوثيقتيْن، وتشير وثيقة الرد البريطاني إلى أنّ روتنشتاين لم يكن يدرك فعليًا الدقة التاريخية لما يقوله، بدليل أنّ منطقة الأحساء كانت في فترة كتابة الرسالة قد انتقلت من حكم الأتراك إلى حكم أسرة آل سعود، وقد أقرت بريطانيا بذلك من خلال اتفاقية أقرتها مع السعوديين.

وبعد شهر على رفض لندن لمشروع روتنشتاين، قام بلفور شخصيًا بإصدار وعده الشهير الذي تعهد عبره بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

الحديث عن الصهيونية لم ينته بعد، فللحديث صلة.