Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عادل خميس الزهراني

سعيد السريحي.. معمار النقد ومعول الناقد

A A
في سيرته غير الذاتية (الحياة خارج الأقواس) يتحدث الدكتور سعيد السريحي عن صديق طفولته (عابد)، ذلك الذي شاركه حب الكتب وجنونها منذ الصغر؛ قادت الكتب عابداً هذا إلى حالة تشبه الجنون، كما يرد في الحكاية.. وفي حوار من الحوارات، يصرّح عابد لصديقه أنه لا يحب كتب المدرسة لأنها (غبية)، تجعل الطلاب يفهمون (غلطاً)، أو تجعلهم لا يفهمون (حاجة)، أما كتبه الخاصة فتجعله يفهم أكثر.. يقول سعيد/السارد: «أورثني عابد ما قاله عن الكتب ورحل، بتُّ أرى كل الكتب خواءً ما لم أشعر بها تحدياً لكل ما قرأته قبلها، هدماً لما سبقها، زلزالاً معرفياً، ينقض فيه كل كتابٍ ما أبرمه الكتاب الذي قبله». ينتقل سعيد مباشرة إلى حوار دار في ربوع الجامعة مع مشرفه لطفي عبدالبديع، حين يخبره قلقاً: «إنت تهدم كل اللي تعلمته».. فيجيبه المشرف: «كويّس». يضيف سعيد «تركني يومها على ركام من المعرفة، وعشت بعدها سنوات معه كي أتعلم كيف أعيد بناء تلك الأنقاض». ويختم السريحي هذا الفصل ببيان لافت يؤكد فيه على أن ما جذبه لحركة الحداثة نقضُها «لكل مبروم من سبل القول وآليات إنتاج المعاني»، وغضبها «على كل ما هو مؤسس ومستقر من طرائق التفكير»، ورغبتها العارمة «في قول كل ما لا يقال، وكتابة ما لم يكتب». يقدّم السريحي هنا تعريفاً للنقد يتسق مع مفهوم النقد في فكر ما بعد البنيوية، حيث يمثل الهدم استراتيجية رئيسة فيه.. تُنسب هذه الاستراتيجية لعصر الـ(ما بعد) هنا، على الرغم من ملاحظتها في البنيوية ذاتها، حيث ركزت هذه الأخيرة على إعادة قراءة النصوص، وعلى تفكيك النصوص وإعادة بنائها من جديد، وعلى تجاوز النظرة السائدة، والنقد البلاغي التقليدي، وكذلك تهميش السياقات الخارجية والتركيز على النص. تقدم هذه النظرة فكرة جديدة لوظيفة النقد تنقض النظرة السابقة عليها، ما يجعل فكرة الهدم تنتمي أكثر لزمن البعدية، حيث أصبحت محور النظرية، بينما انصب اهتمام البنيوية على جهدها في تتبع العلائق وبناء نظام النص، أو -وفقاً لتعبير جابر عصفور- «والتضاد بين البنيوية والتفكيك في السياق العام لهذا المنظور هو أن البنيوية تريد أن ترى الجمال في النظام، والنظام في الفوضى، فهي نزوع عقلي يريد أن يحبس كل شيء في نسق حتى يجعله مفهوماً، دائراً على مركز بعينه، أما التفكيك فهو نقيض المركز.. وإذا كانت البنيوية تسعى إلى تفكيك النص بما يجعلنا نفهم سر تركيبه فإن التفكيك هو نقض مستمر لهذا البناء الذي نتخيله متماسكاً ذا مركز.. فليس هناك مركز للنص ولا بناء مغلق». تحيل فكرة النقض التي آمن بها السريحي مبكراً على هاجس فلسفي مهم يكاد يكون المحرّك الأول خلف سؤال النقد الحديث؛ وهو أن كل قراءة لا بد أن تحمل -ولو ضمنياً- تكسيراً في بناء سابق، بقدر ما تمثّل إضافة له.. إيماناً بأن التغيير هو سنة الكون، وأنه يقوم عادةً على الهدم والبناء، فإن كل قراءة قدمها السريحي لنص أو ظاهرة شكّلت معولاً ينقض فكرة ما سابقة عليها، واختلافاً آخر يؤسس كينونته على القربى من النص ذاته، لا من قارئيه السابقين.. وأعتقد أن التطور المعرفي في العصر الحديث قام على هذا الأساس، بسدِّ ثغرة ما، وتغيير لمناهج متقادمة، وهزٍّ للمفاهيم، وإضافة للجديد، وهو ما يستدعي الاختلاف مع الآخر، والثورة على السابق مهما كان كنهه.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store