Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

السريحي يتوخى مقاربات صلبة في صميم مأزق الهوياتية، والصراع على اللغة

السريحي يتوخى مقاربات صلبة في صميم مأزق الهوياتية، والصراع على اللغة

في «ما لم يقله الشاهد»

A A
صدر عن دار صوفيا بالتعاون مع نادي الأدبي في الطائف كتاب جديد للدكتور سعيد السريحي حمل عنوان «ما لم يقله الشاهد: بحث في المضمر وظروف إنتاج الخطاب».

يقع الكتاب في 139 صفحة من القطع المتوسط موزعة على تقديم وفصلين ثم مصادر البحث ومراجعه، يتغلغل السريحي، من خلال مقاربة عميقة لواقعة تاريخية حدثت بين أحد الملوك الحميريين ووافد وفد عليه من العرب، إلى أعماق الدور الذي يمكن أن تلعبه اللغة في آليات الصراع بين المجتمعات، وكيف أن اللغة من الممكن أن تشكل خط الدفاع الأول عن تماسك المجتمعات وهويتها العميقة. يلفت السريحي، عبر تفكيك وتحليل وإعادة تشييد هذه الواقعة التاريخية، الانتباه إلى مسائل تتجاوز زمن الواقعة، إلى واقعنا اليوم وتحفر في مفاهيم لغوية (وجودية كبرى) مثل: السياسة اللغوية، الصراع على اللغة، الحمائية اللغوية، اللغة والهوية، وغيرها... قام بالتقديم للكتاب الدكتور عبدالله الخطيب أستاذ اللسانيات المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز، حرص الخطيب على تشييد حوار عميق مع مضامين ودلالات النص، دشن مقدمته بمثال ورد على لسان شاب عربي من بلاد المغرب العربي ويدرس في فرنسا يجيب على باحثة فرنسية تسأله عن لغته فيجبها باللغة الفرنسية: «لغتي هي العربية ولكني لا أتكلمها»، يؤكد الخطيب في مقدمته للكتاب على العلاقة الجبرية بين اللغة والانتماء بقوله: « اللغة هي الموطن الأسمى لتعريف الإنسان بنفسه».

يقول السريحي: «إن إعادة تشييد الخطاب عملية معقدة تتضافر فيها جملة من العوامل والظروف والملابسات، سواء ما هو معلن منها وما ليس معلناً، ما هو واضح ظاهر وما يلفه الغموض لتشكل في مجموعها ما يمكن اعتباره بنية فوقية تمتلك القوة والقدرة على التعبير عن نفسها فيما يتسق معها ويعمل على تدعيمها، بينة كبرى تتجلى في الأحداث والوقائع، في اللغة سواء كانت تعبيرًا دارجًا على ألسنة الناس أو حكايات يتناقلونها، أو أشعارًا يرددونها، تعبر عن نفسها فيما يقع وفيما يتصورون وقوعه، فيما يجمعون على صدقه من الحقائق، وفيما يختلفون حوله مما لا يتحققون من صدقه، فيما هو متفق عليه وفيما هو مختلف حوله.

واستعادة خطاب مضت عليه حقب من التاريخ عملية أشد تعقيدًا فهي لا تستعيد الوقائع وإنما ما يستتر وراء تلك الوقائع، ولا تقف على الأقوال وإنما تمضي لتدقيق ما شكل هذه الأقوال على النحو أو ذاك، وما جعلها تأخذ هذه الصيغة أو تلك، عملية تشييد الخطاب عملية لا تتحقق إلا بالوقوف على كل ما هو دال، وعندما تنفتح المجالات لاستيعاب الحقيقة والزيف والصدق والكذب، وما هو منسجم وما هو متعارض، وما هو متفق عليه مع كل ما هو مثير للاختلاف، انطلاقا من مسلمة أن الخطاب قوة مراوغة قادرة على إنتاج الحقائق، بل قادرة على إنتاج ما يبدو متعارضًا معها فيما هو داعم لها ومعزز لسلطتها».

* في الفصل الأول: الشاهد بين سياقين

يتناول السريحي تلك القصة الشهيرة التي رواها ابن منظور في كتاب اللسان من أن أحد ملوك حمير دخل عليه رجل من العرب فقال له: (ثب) والتي تعني بالحميرية (الجلوس) إلا أن الوافد العربي فهمها كما هو معناها المعروف لديه بالعربية وهو (القفز)، فقفز فاندقت رجلاه، فضحك ملك حمير وقال ليس عندنا من (عربيت) من دخل ظفار (حمَّر) أي تعلم الحميرية. ويؤكد الكاتب على أن كلمة (حِميَر) لم يذكرها هنا على أنها قبيلة من قبائل العرب بل باعتبارها نظاما سياسيًا متكاملاً ثابت المكان محدد الزمان، في مقابل ذلك الرجل العربي الذي جاء من جماعات متفرقة وقبائل متحابة لم تبلغ من التحضر ما بلغته مملكة حمير من تقدم ورقي إلى غير ذلك من إسقاطات متعددة الأبعاد يستنطقها الباحث من نص الرواية التي ساقها ابن منظور.

* في الفصل الثاني: موقف الشهادة

يواصل الكاتب استنطاق النص وقرائة ما بين السطور مما يمكن الوصول إليه مما تشير إليه الكلمات حيث يرى أن قصة الوافد العربي على الملك الحميري ما هي إلى إشارة إلى الصراع بين ثقافتين مختلفتين لشعبين متنازعين، بل إن مصرع الوافد العربي يرمز إلى نهاية ذلك الصراع بموت الوافد العربي والضحكة العالية التي أطلقها الملك الحميري تأكيدًا لتلك النهاية وحسم الصراع لصالحه بعد نجاحه في نصب ذلك الفخ للوافد العربي من خلال استعمال الفعل (ثب) حيث إن الملك يعرف مسبقًا دلالة الفعل عند العرب وهو (القفز) وأراد -كما يدعي- المعنى الحميري (أي الجلوس)، كما أن الوافد العربي آثر حسن النية مع علمه بهلاكه لا محالة حيث لم يقل سمعًا وطاعة كما تجري العادة وإنما قال: (ليعلم الملك أني سامع ومطيع). ولعل ما يؤكد نظرية المؤامرة تلك هو أن مجلس الملك كان مطلاً على تلك الشرفة والوافد العربي -قطعًا- كان بعيدًا عنها إضافة إلى أن الملك استعمل الفعل (ثب) على غير عادة الملوك في ذلك الزمن في المخاطبة، حيث يكتفون بالإشارة بيدهم للجلوس إن أرادوا إكرام القادم إليهم، وقد كان حريًا بالملك الحميري أن يكتفي بتلك الإشارة لولا أنه قد نصب كمينًا لغويًا للوافد العربي.

كما يرى الكاتب أن هذا الكمين الذي نصبه الملك للوافد العري ما هو إلا تعبيرًا عن ذلك الصراع الذي كان محتدمًا آنذاك بين اللغة العربية التي تشتد ويتسع نطاقها يومًا بعد يوم، واللغة الحميرية التي تأذن شمسها بالغروب والأفول.

غير أن الصراع انتهى على غير ما تشير القصة حيث اجتاحت اللغةُ العربية اللغةَ الحميرية رغم المحاولات المستميتة من أصحاب اللغة الحميرية للصمود والبقاء.

نص «ما لم يقله الشاهد» كما يقول الخطيب في مقدمته للكتاب: «نص من الأوزان الثقيلة، تموضع حول اللغة باعتبارها خطابًا، والنصوص الثقيلة هي التي بلا جدال لا تُعيننا على مواجهة الحاضر فحسب، إنما هي التي، إن أحسنا قراءتها، سوف تجعلنا قادرين على تجاوز، أو تجنُّب، كثير من إخفاقاتنا الثقافية والاجتماعية والإنسانية. نص (ما لم يقله الشاهد) من هذه النصوص».

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
تصفح النسخة الورقية