Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

خاتم الزهراني في ذاكرة العطاء 

خاتم الزهراني في ذاكرة العطاء 

A A
بحمدٍ لا تشوبه شوائب نكران وجحود، وبرضاء موقن كلَّ الإيقان بقدر الله وحكمته..

هكذا نقف على حافة قبر كل من نودّع من موتانا، لحظة تتوزّع فيها الخواطر تلقائيًّا بين رجاء في رحمة نستمطرها من الرحمن عزّ وجل بصادق الدعاء، وخالص الدعوات في غفران عميم، ورضوان أتم، وحسن قبول، وجنة في فراديسها العلى يستقر وينزل..

وبين خاطر مسرّحٍ في مآثر ومناقب وذكريات سطّرها المفقود في جنان كلّ واحد حسب موقعه وقربه وعلاقته..

لحظة تنحلُّ فيها الدموع من محابسها، وتنثال رحمة لا تخرج بنا عن إطار الصبر المأمورين به، والحمد لله، والترجيع؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون..

لئن كانت هذه هي الصورة في إطارها العام، فإنّها، والله، لأكثر خصوصية، وأعمق أثرًا، وقد فقدنا بالأمس الشيخ الجليل، صاحب الأيادي البيضاء.. الرمز الشّهم الكريم/ خاتم الزهراني..

كان كل واحد منا في تلك اللحظة يرى أن الحزن حزنه الخاص، وأن الفقد يعنيه هو لا غيره بالتحديد.. وكأنّه قد أبًا والدًا، وشقيقًا رفيقًا، وصديقًا عزيزًا.. ولا غرو.. فـ"خاتم" كان موطّأ الأكناف، آلفًا ومألوفًا، سمح النفس، بسّام العشيات، برّاق الثنايا بابتسامات الرضا والبشر:

تَرَاهُ إذَا مَا جِئْتَهُ متَهَلِّلًا

كَأَنَّكَ تُعطِيهِ الَّذي أَنتَ سَائِلُهْ

WhatsApp Image 2023-04-30 at 20.02.



خفيض الصّوت حين المناجاة، حييًا ودودًا.. كفّه في العطايا خفية، ولسانه بالحمد جهيرا، منكر لذاته، مؤثر لغيره، جمّ العطايا، وافر الأدب.. له في خدمة المساجد جهد تعرفه المآذن التي علت بعد أن شيّد أركانها، والغاية كلّ الغاية أن يمنّ عليه الله ببيت في الجنة.. لا تشوّفًا ولا رياء ولا سمعة..

يعرفه الفقراء حقّ المعرفة، فكم آسى وواسى، وكم أسكن من غائلة جوع، وداوي من أنين مسكين، وضمد جراح معوز، فحف دعاءهم اليوم قبره بصيّب الرحمات الهواطل..

وأفجعُ من فَقدنا من وَجَدنا

قُبيل الموتِ مفقودَ المثالِ

إن شئت أن ترى صنيع "خاتم" في الشأن العام، فقلّب الآن دفاتر الحسابات في أضابير لجان الجمعيات الخيرية وممرات الانفاق الخيري، فهناك تجد له عطاء يصدق فيه الوصف بأنه "إنفاق لم تعلم فيه اليمنى ما أنفقت اليسرى"..

أعد الحمد والترجيع على قلبك، وتذكّر أنّا لا نزكيه على الله، ولكننا نذكر محاسن من رحل، في مقام التأسي واستمطار الدعاء له..

فبرحيلك يا خاتم المروءة والشهامة والنخو، يرحل معك جزء من المكارم، ويبقى الجزء الآخر في عقبك من الأبناء الذين ربيتهم على سجاياك وخصالك ومآثرك؛ فهي باقية فيهم ما بقيت الحياة.. هكذا نحسبهم والله حسيبهم، فهم تركة من الخير والمعروف والعطاء والبذل، وقد تركت فيهم تربية صالحة يلمسها كل من تعاطى مع هذه الأسرة الكريمة التي تصنع من العطاء روحًا تشع بالمحبة والخير.. ليصدق فيه وفيهم قول القائل:

قد ماتَ قومٌ وما ماتتْ مكارمُهم

وعاشَ قومٌ وهم في الناسِ أمواتُ

صعدت روحك – يا خاتم - إلى كريم، فأنت اليوم في ضيافة رحمن رحيم، ودود لطيف، وأبقيت لنا روحًا من المحبة والود والكرم تُحلّق في فضاءات الإنسانية.. فرحمك الله يا شيخنا الفاضل، ولن ننسى كيف تعلمنا منك الإنسانية في صورة من صور التواضع، وحب الخير..

وصادق المواساة والعزاء لأسرتك وذويهم، في كريم رحل وخلّف بعده مآثر وسيرة تتعطر بأنفاس العطاء الخيري والإحسان، وسمعة تظل خالدة في ذاكرة النبلاء..

وإنا لله وإنّا إليه راجعون.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store
كاميرا المدينة