Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سهيل بن حسن قاضي

رياضة فكرية.. ومتعة ذهنية

A A
بهذه العبارات استهلَّ الأديب السيد فؤاد عنقاوي كتابه «البلوت»؛ الذي صدر في عام 1988، وعلّق عليه الأمير فيصل بن فهد بأنَّ البلوت رياضة ذهنية ووسيلة ترفيهية تتطلب تنظيماً وضوابط، حتى يمكن أن تُقام عليها مسابقات محلية وبطولات عالمية، وهذا ما تنفذه هيئة الترفيه حالياً.

وفي مدخل الكتاب؛ يروي المؤلف كيف انبثقت فكرة الكتاب عندما شاهد سيدة عجوزاً فرنسية؛ وهي منهمكة في «فتح البخت» أو لعبة الحظ، ومرّت ساعات وهو يقف يتأملها وهي تُمضي الوقت الطويل، فسحبه ذلك إلى التفكير في جلسات البلوت ساعات وساعات من مساء أو ليل، وتساءل: من أين أبدأ؟، وهل يستحق البلوت كل هذا التفكير؟، وهل يتقبل القارئ مؤلَّفاً عن لعبة من ورق، وكيف ينظر ويستقبل المجتمع كتاباً عن البلوت؟، ثمَّ استدرك بأن البلوت واقع ملموس في مجتمعنا، ويستحق البحث والتقصي.

وأتفقُ مع المؤلف: مَن يُنكر أن البلوت لا يعتبر وسيلة للتقارب والتآلف؟!، وإن كان البعض يظن بأن البلوت مدعاة للشقاق والاختلاف بين الأصدقاء والأقارب.

فبدأ المؤلف باستطلاع آراء الناس بمختلف شرائحهم، ويبدو أنه صرف من وقته الكثير من أجل هذا الاستطلاع، ولكن تمخّض عن ذلك ضرورة وضع النظام الموحد لوضع الأسس التي تُبعد الجدل؛ وتقضي على الاختلاف.

أما عن تطور لعبة البلوت، فإن الروايات المتواترة تشير إلى أنه ظهر في النصف الثاني من القرن الهجري الماضي، أي في نهاية العهد العثماني، ويُعتقد أنها لعبة أوروبية وصلت إلى الحجاز عن طريق الهند، رغم أن مسميات البلوت التي مازالت تُستعمل حتى الآن مثل: (الكالة، والشيرية، واللال، والشوكت)؛ كلمات كلها هندية الأصل، وهذا ما يؤكده الشيخ أبوتراب الظاهري، العلّامة والمؤرِّخ المعروف، بأن لعبة البلوت يرجع أصلها إلى الهند شكلاً وموضوعاً.

لقد لاقت لعبة البلوت رواجاً؛ وطغت على بقية الألعاب السائدة آنذاك، وهناك بيوتات في مكة وجدة مشهورة يرتادها بعض وجوه المجتمع، وأصبح للبلوت شعبية في مختلف الأوساط، وهذه اللعبة سرعان ما انتشرت في مدن أخرى، بحيث لا تجد مناسبة إلا ولعبة البلوت محور تلك الجماعات بما تثيره من حماس، وبما يعتبره البعض تنفيساً من مهام المسؤوليات ومتاعب العمل، ودرعاً من الخوض في القيل والقال وغيره.

وقد تضمّن الكتاب شرحاً عن عملية الشراء والكسب والخسارة، والدبل والكبوت وحسابات البلوت، والإضافات في الصن والحكم، وترتيب الأوراق في كليهما، وأحكاماً عامة تهم مَن يرغب التعرف عليها، كالتكويش وقواعده.

وأختم بالقول إن البلوت رياضة فكرية محضة؛ تحتاج من اللاعب إلى تفكير مستمر، وسرعة بديهة حاضرة على الدوام، وانتباه وتيقُّظ وتركيز على الحسابات على افتراضات عديدة.. مما يبعده عن كونه لعبة للتسلية فقط، أو تزجية فراغ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store