Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

ألمونيـــــــــوم

A A
هذا المقال من أسرع وأعلى المقالات التي كتبتها.. كنت بإرادة الله أسير على سرعة حوالى تسعمئة كيلومتر في الساعة، وعلى ارتفاع حوالى عشرة آلاف متر فوق سطح البحر بداخل مقصورة طائرة من طراز بوينج 777.. ولم أشعر برهبة هذه الحركة المذهلة، ولا بتحديات البيئة القاسية على بعد سنتيمترات معدودة من نافذتي، علماً بأن طائرتنا مكونة من أكثر من ثلاثة ملايين قطعة صممت وصنعت بإتقان بتوفيق الله، ومعظمها من عنصر الألمونيوم العجيب، ورجعت بي الذاكرة إلى سيارتي الأولى أثناء سنوات الدراسة.. كانت ذات «خبرة طويلة» لدرجة أنها كانت على حافة تصنيف «القرمبع».. وكانت إيطالية الصنع، وطرازها اسمه «ميل تشن تشنتو»، وكأنها سيارة نادرة وسريعة، بالرغم من أنها كانت مصابة بما يشبه الربو المزمن، والسعال الديكي.. وعلاقة هذه الذكرى بموضوعنا هي أنه بالرغم من عيوبها الكثيرة، كان محرك سيارتي يحتوي على عنصر الألمونيوم الجميل الذي كان يبهرني بجماله وخفة وزنه.. وأتذكر يوم ما سُحِبَت إلى التشليح بعد خدمة قصيرة، رغم أن محركها كان لا يزال محافظًا على جماله إلى آخر لحظة.. إلى أن وصل إلى تلال قمامة السيارات الحزينة.. والعديد من السيارات، ومعظم الطائرات في العالم اليوم تستخدم الألمونيوم الرائع بكثرة، بسبب قوته، وخفّة وزنه، وسعره، وسهولة خلطه بالعناصر الأخرى، لتصدر سبائك بخصائص رائعة.. وللعلم، فمن النادر أن تجده يستخدم بمفرده، فذراته تعشق الوناسة، ولذا فهو يحب الاتحاد، ويكون خلطات تمنحه بمشيئة الله المزيد من الخصائص الرائعة من قوة وتحمّل وغيرها كما ذكرت أعلاه.. ولا توجد منافسة جادة له في استخدامات عالم الفضاء والطيران، وفي صناعات أخرى عديدة مثل علب المشروبات، ونقل الطاقة الكهربائية، والأواني المنزلية، والأبواب، والنوافذ، والعديد من المكونات الإنشائية الكبيرة والصغيرة التي تتطلب القوة، وخفة الوزن، وسهولة التشكيل، والتكلفة المعقولة، وهناك المزيد.. أيام زمان وتحديداً منذ اكتشافه عام 1825 إلى مطلع القرن العشرين، كان الألمونيوم أغلى من الذهب، ولذا كانوا يستخدمونه في صناعة المجوهرات، والزينة الغالية للطبقات العليا في المجتمع، فلم يره عامة الناس إلى أن وجدت طريقة عبقرية لاستخراجه وتنقيته.. وهنا لنا وقفة سريعة في هذا الشأن، فهذا العنصر هو أكثر العناصر المعدنية شيوعاً على الكرة الأرضية، وكما ذكرت أعلاه، أن ذراته تعشق الوناسة والاتحاد، فلا توجد بمفردها، ولم توجد آليات لفصله وتنقيته، إلى أن قام الأمريكي «هول» والفرنسي «هيروه» في عام 1886 بإيجاد طرق عبقرية اقتصادية لفصل الألمونيوم.. فانخفض سعره انخفاضًا كبيرًا، وأصبح استخدامه رائجاً في المجالات المختلفة.. يعني تخيَّل أن تتوفر تقنية لتخفيض سعر وجبة سمك الناجل، لتصبح أقل سعراً من سعر الفول المدمس بين عشية وضحاها.. وأشير هنا إلى سعر «فولة واحدة»، وليس إلى صحن الفول.. وقبل الختام، فهناك طرفة متعلقة باسمه.. يُسمِّيه البعض «ألو.. من.. أم»، وأما اسمه الرسمي فهو «ألو.. من.. يوم» شدة واحدة.. والسبب له علاقة بالتسويق، فالاسم الأول على وزن «بلا.. تي.. نوم»، رمزاً لعنصر البلاتين الثمين جدًا، «يعني يعني» أنهما متقاربان، وكانت من الإيحاءات بقيمته العالية.. مو غلط.

* أمنيــــــــة:

الحمد لله أن الألمونيوم من العناصر التي أنعم الله علينا بها في المملكة ضمن ثروتنا المعدنية، واستخراجه وتصنيعه متوفران ولله الحمد اليوم وفي المستقبل.. والمعذرة على التغزُّل في روائع هذا العنصر الجميل، ولكنه فعلاً من أجمل المعادن شكلاً وموضوعًا.. أتمنى أن ندرك أهميته، وأن نبحث في خبايا تاريخه، وروائع استخداماته.. وكلما تبحَّرنا في خصائصه، سندرك أهمية روائعه، كأحد أهم نعم الله الجميلة، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store