Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

خمس طرق مهمة يسهم التصنيع الذكي من خلالها بتمكين الاقتصاد الدائري

خمس طرق مهمة يسهم التصنيع الذكي من خلالها بتمكين الاقتصاد الدائري

بقلم ياسر حسن، المدير العام للقطاع التجاري لدى شركة أمازون ويب سيرفيسز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا

A A
كما نعلم جميعنا اليوم أنه لا يوجد حل تقني واحد فقط لمواجهة تحديات الاستدامة، لكن هناك تقنيات يمكنها تقديم الكثير من المساهمات المهمة بطرق مختلفة وجوانب متنوعة كي نصل إلى وجهتنا المرغوبة.

وتعتبر "إنترنت الأشياء" إحدى هذه المفاهيم أو التقنيات. وهو في الواقع مصطلح غير كافِ للتعبير عن النطاق الكامل لإمكانات هذه الأنواع من الأنظمة. ونعمل اليوم على التطور سريعاً لنقدم نموذج جديد من البنى ذات التقنيات الهجينة والمتصلة بالسحابة، لنحقق أكثر بكثير من مجرد جمع البيانات ومشاركتها. ويتضمن مستقبل إنترنت الأشياء نماذج رقمية لكل عنصر من عناصر التصنيع، توفر كل منها مستويات جديدة من الرقابة والتحليل والتحكم في الوقت الفعلي. كما تتضمن أيضاً إمكانات تعلم الآلة داخل الأجهزة القادرة على تحليل الصور المعقدة والاستجابة للتغييرات بدلاً من مجرد تسجيلها.

سنجد في كل مرحلة طوال دورة حياة المنتج، بدءاً من سلاسل التوريد إلى التصنيع وما يحدث عند مغادرة المنتج لخط الإنتاج، أن هذه التقنيات توفر طرقاً مختلفة للعمل، وتقوم بتحويل أحد أهم المفاهيم في الاستدامة من رؤية مستقبلية إلى واقع عملي. وتعمل تقنيات إنترنت الأشياء الجديدة لدينا على تمكين الاقتصاد الدائري ليصبح واقعاً ملموساً.

لا يطلب العملاء منا تقنيات إنترنت الأشياء المحددة، وكذلك لا يطلب مختصي التقنية "بعضاً من حلول تقنية المعلومات"، بل يفكرون من حيث نتائج الأعمال المحددة التي يرغبون في الوصول إليها والطرق التي يودون من خلالها مراقبة سير أعمالهم والتحكم بها وتحسينها للحصول على تلك النتائج. وإن كنا جادين في إنشاء اقتصاد دائري، هناك الكثير من النتائج ذات الصلة التي يمكن أن تسهم في تحقيقها البنى التقنية الحديثة والقائمة على السحابة. وتشمل تلك النتائج إطالة دورة حياة المنتجات ومكوناتها وإبقائها قيد الاستخدام من خلال إعادة التدوير والتجديد وزيادة كفاءة الطاقة إلى الحد الذي يمكن أن يعمل فيه التصنيع الدائري بالكامل باستخدام الطاقة المتجددة. وفيما يلي خمسة من أهم الطرق التي يعزز من خلالها النموذج الجديد للاتصال السحابي تطوّر الاقتصاد الدائري.

مراجعة فعّالية المبادئ الثابتة للتصنيع

هناك الكثير من المبادئ الثابتة في مجال التصنيع، والتي تم وضعها في قالب محدود، ونادراً ما يتم التشكيك فيها أو النظر بمدى فاعليّتها لأنها تمثل شبكة أمان لحماية العناصر التي تعتبر مهمة بالنسبة لأرباح الشركة المصنعة. وتتبنى مبادئ التصنيع التقليدية فكرة أنه نادراً ما يستحق الأمر المخاطرة بإغلاق المعدات، لأن سير العمل يكون أكثر قوة وكفاءة عند الاستمرارية بتشغيل المعدات واستثمارها بسرعتها القصوى. ويقيّد القلق بشأن الموثوقية الطريقة التي يسير بها مجال التصنيع لأن كل شيء يجب أن يتم تحسينه بما يضمن استمرار العمليات. ويؤدي ذلك إلى استهلاك الكثير من الطاقة، كما أنه يتسبب أيضاً بإغلاق الباب في وجه الكثير من إمكانات وفرص الابتكار.

ويُغيّر التصنيع القائم على السحابة نهج التصنيع بطريقتين مهمتين. أولاً، يزيل الغموض حول مشكلات الموثوقية من خلال تمكين التصنيع وجمع وتحليل البيانات القيّمة رقمياً. ويُسقط الاتصال السحابي الضوء على طرق التصنيع الخاطئة ويقدم المعلومات التي تمكّن الصيانة التنبؤية لحل المشكلات، بدلاً من اتباع منهجية عمل ثابتة وبطريقة معينة لمنع حدوث المشكلات. وزادت الاستجابة لهذا النهج بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة بفضل تقنيات الحافة الهجينة Hybrid Edge التي تضع تقنيات صنع القرار داخل المصنع ذاته، ليكون قادراً على الاستجابة للبيانات على الفور بدلاً من مجرد تحميلها على السحابة. ثانياً، يوفر التصنيع المتصل بالسحابة مستوى جديداً من دقة البيانات التي يمكن إدخالها ضمن نماذج تعلم الآلة لتحديد السرعة المثلى ووقت التشغيل الأمثل لنوع معيّن من المعدّات. وتعمل خدمات AWS IoT SiteWise وAWS IoT SiteWise Edge مع مجموعة واسعة من الشركاء لإنشاء المعلومات القائمة على البيانات وتقديمها ضمن لوحات معلومات من خلال السحب والإفلات والتطبيقات الذكية، مما يجعل تلك المعلومات أكثر سهولة وقابلية للتنفيذ لدى المُصنّعين.

تُمكن البيانات التي تم جمعها من خلال هذه الأنواع من التطبيقات الشركات المصنعة من بناء تمثيلات رقمية مفصلة للمصانع، والمعروفة باسم التوائم الرقمية التي يتم إنشاؤها من خلال أدوات مثل AWS IoT TwinMaker، والتي تُمكن تلك الشركات من مراقبة كل جانب من جوانب الإنتاج والتحكم به وتحسينه في الوقت الفعلي. كما تمكنها من تجربة عمليات مختلفة وتحليل النتائج مع تجنب أي تأثير حقيقي على الإنتاج أو الربح أو الجودة، وهي بمثابة عامل تمكين رئيسي للابتكار.

عندما يبدأ المصنعون بتطبيق تقنيات التصنيع الذكية بهذه الطريقة، فإنهم يحصلون على فوائد فورية في تخفيض التكلفة وخاصة من خلال تعزيز كفاءة استهلاك الطاقة وتقليل عمليات الصيانة نتيجةً لساعات التشغيل الأقل. وهناك مزايا كبيرة من حيث الامتثال وتحقيق أهداف الاستدامة وتقليل استخدام الطاقة خلال التشغيل. ومع إزالة الحواجز الباهظة التي تحول دون الابتكار، أصبح الطريق واضحاً لاختبار وتوسيع نطاق عمليات التصنيع الدائرية التي تزيد من استخدام المكونات المستصلحة والمعاد تدويرها.

نظرة مقرّبة على الكيمياء

يستخدم التصنيع الكثير من الصيغ الثابتة التي ثَبُتَ أنها توفر جودة ومتانة المنتج المطلوبة. وغالباً ما يتم تصميم هذه المركبات باستخدام مواد خام وبمستوى عالٍ من النقاء والكثير من الحرارة لإزالة الرطوبة من تلك المواد. ومازالت هذه الصيغ موجودة اليوم بفضل فاعليتها، لكنها تقيّد بوضوح نطاق استخدام المواد المعاد تدويرها وتحسين كفاءة الطاقة. وإن كانت هذه الطريقة فعالة، لا يعني ذلك بالضرورة أنها الطريقة الوحيدة التي يمكننا اتباعها.

فيمكننا باستخدام المستشعرات والاتصال السحابي أن ندخل في غمار العمليات الكيميائية التي تحدث في مجال التصنيع وأن نفهم ما يحدث بالفعل وما هو مطلوب في كل مرحلة. وعندما طبقنا تقنيات التصنيع الذكي في مجال صناعة الأسمنت، تمكنا من مساعدة الشركات المُصنّعة على تحديد مقدار الوقت الأمثل للتدفئة لتجنب الكلنكر الناقص أو المفرط في طهي التركيبة (أحد المكونات الرئيسية للأسمنت). ويمكننا باستخدام التوائم الرقمية تقييم مستوى الرطوبة الذي يحتاجون إلى إزالته لتمكين العمليات النهائية من السير بشكل صحيح. ونتيجةً لذلك، تمكنا من الحد بشكل كبير من استخدام الطاقة والآثار البيئية المرتبطة بعملية إنتاج الأسمنت.

نحرز اليوم المزيد من التقدم نحو الاقتصاد الدائري، وستسهم دراسة كيمياء المواد التي تستخدمها الشركات المتصلة بالسحابة إلى إنجاز الكثير من التطورات في المجال. فيمكننا مثلاً تحليل تأثير استخدام المواد المختلفة من مصادر مختلفة عن تلك التي استخدمناها في الماضي. كما نستطيع استخدام المستشعرات لمراقبة سلوك هذه المواد المختلفة من بداية العملية فصاعداً، وذلك عبر تقنيات الحافة لضبط سير العمل كما هو مطلوب. ويتضمن الكثير من عملنا في التصنيع مساعدة الشركات على تجربة نسبة أعلى من المواد المعاد تدويرها. وتتمثل أهدافنا في الحفاظ على الإنتاجية والجودة والكفاءة التشغيلية مع دفع هذا التحول إلى أقصى حد ممكن. وسنحتاج لتحقيق ذلك إلى معرفة متانة وجودة المنتج الذي يتم تصنيعه والتأكد من أن ما ننتجه من خلال اقتصاد أكثر دائرية سيمتلك دورة الحياة الممتدة التي نريدها.

مراقبة سلاسل التوريد المتنوعة بشكل متزايد

يلعب بناء التوائم الرقمية من البيانات السحابية دوراً كبيراً في تحسين سير العمليات داخل المصانع وتجربة استخدام المواد الجديدة. كما أن له دوراً مهماً في تطوير سلاسل التوريد. ويعتبر قطاع صناعة السيارات الأوّل في هذا المجال، حيث يتخذ نهجاً دائرياً لإعادة تدوير بطاريات المركبات الكهربائية (EV) في المصانع العملاقة مثل Northvolt Ett في السويد. وتستخدم الشركات التوائم الرقمية في الوقت الفعلي لسلاسل التوريد بأكملها كي تتمكن من معرفة مصدر المواد وأوقات الشحن في كل مرحلة، وأماكن تعرضها لمخاطر النقص والخطط الاحتياطية التي يمكنها وضعها. ويتم استخدام هذا النهج وصولاً إلى مستوى المستشعرات في الشاحنات والحاويات لمراقبة مستويات المواد. وتساعد التوائم الرقمية في تصوّر المصادر البديلة لتوفير الإمدادات واختبار السيناريوهات المختلفة ومنح الشركات الرؤية المستقبلية والثقة التي تحتاجها للمضيّ نحو نهج دائري مع سلاسل توريد أكثر تنوعاً مما كانت عليه في الماضي.

التتبع المستمر لدورة حياة المنتجات

يُعدّ تتبع الأداء المستمر للمنتجات والقدرة على ربط ذلك بظروف التصنيع الدقيقة مجالاً آخر يتصدر فيه قطاع السيارات نسبة استخدامه لهذا النهج. ونظراً لوجود قيمة كبيرة في بطاريات السيارات الكهربائية، تعتبر مراقبة الأداء المستمرة شي جوهري بالنسبة لشركات تصنيع السيارات. وإذا تم اكتشاف أنماط معينة لتدهور الأداء بمرور الوقت، سيتمكنون من تتبع ذلك مرة أخرى وربطه بالظروف التي تم إنتاج مجموعة البطاريات ضمنها وتحديد ما إذا كانوا بحاجة إلى استدعاء هذه البطاريات أو تحديثها. ويعد ذلك مهماً لتحقيق رضا العملاء وكسب ولائهم وضروري جداً في سياق الاقتصاد الدائري.

لا تنتهي دورة حياة البطارية عند استرجاعها، وإنما تعد هذه اللحظة الخطوة التي يصبح فيها المورد قابل لإعادة التدوير مرة أخرى في سلسلة التوريد، ويصبح فهم ما يحدث داخل البطارية أمراً بالغ الأهمية. ونستطيع بفضل بيانات المستشعر وإمكانية التتبع معرفة سبب الاستدعاء، مما يختصر الوقت خلال عملية إعادة تدوير تلك البطارية كجزء من الاقتصاد الدائري.

وليس بالضرورة أن تتضمن عملية تدوير المواد، إعادة استخدام المواد التي استخدمتها الشركة ذاتها في المرة الأولى. وتتيح المعلومات السحابية الناتجة عن قطاع صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية للمصنّعين إنشاء نماذج أعمال تدور حول المدة التي تدوم فيها الرقائق والعناصر الأخرى، والطرق التي يمكنها تحقيق القيمة من خلالها بعد ذلك. وحتى عندما لا تقوم الشركة بإعادة استخدام المكونات نفسها، فإن البيانات السحابية ستستمر بتمهيد الطريق للآخرين للقيام بذلك.

وليس بالضرورة أيضاً أن تتضمن عملية تدوير المواد خطوة استرجاع المواد المستخدمة من أجل إطالة دورة حياة المنتج. والمصاعد مثال رائع على ذلك، فليس هناك حاجة لاسترجاع حجرة المصعد كثيراً. وبدلاً من ذلك، يمكننا الاحتفاظ بها قيد الخدمة بطريقة تضمن استمرارية أدائها القوي وسلامتها. وتعتبر Kone مثال ممتاز على شركات المصاعد التي تقوم بذلك على وجه التحديد عبر استخدام المستشعرات والنمذجة للتنبؤ بالأعطال ومنعها، مثل توقف الأبواب عن العمل وإرسال فرق الخدمة بشكل استباقي.

ضمان استمرارية سير العمل حتى عند حدوث التغيرات الكبيرة من خلال تمكين قابلية التحديث والتوسع

إذا أردنا بناء اقتصاد دائري، فلن يكفي تعزيز الابتكار في عدد قليل من المجالات التي تشمل التصنيع أو سلسلة التوريد. وإن كنا نريد تغيير الطريقة التي تستخدم بها الشركات الموارد لدفع عجلة النمو، فنحن بحاجة إلى تمكين قابلية التوسع والتي قد تكون أهم مساهمة مرتبطة بإنترنت الأشياء على الإطلاق.

تعمل لوحات المعلومات والتوائم الرقمية على تمكين الشركات من تحسين الأداء استناداً إلى الدروس المستفادة من بيئات العمل المختلفة والقيام بذلك في الوقت الفعلي عن بُعد. ويمكننا قياس عملية مقابل أخرى واستكشاف المشكلات وإصلاحها، ثم توفير الحلول في مصانع متعددة تلقائياً. وتعتبر تقنيات الحافة الهجينة من التقنيات القادرة على الاستجابة للإنذارات وتغيرات الحالة على الفور، من خلال ربطها بأتمتة المصنع والروبوتات وتحقيق المكاسب الكبيرة من حيث الكفاءة والتحسين. وهذا كله يعني أنه بمجرد التحقق من صحة الخطوات نحو الاقتصاد الدائري في موقع واحد، يمكننا نشر الحلول بسرعة كبيرة في المناطق الأخرى. وتعمل البنى التقنية الحديثة القائمة على السحابة على تحسين الاقتصادات الضخمة التي تضمن أن تصبح المصانع الضخمة مصممة تبعاً لمبادئ الاقتصاد الدائري إلى أن تصبح سلسلة من المصانع العملاقة الإنتاجية مصممة وفقاً لمبادئ الاقتصاد الدائري.

وتعمل تقنيات إنترنت الأشياء بسرعة على تغيير نظرتنا لما يمكننا تحقيقه عندما يتعلق الأمر بتحويل الموارد إلى فرص للنمو، كما أنها تضمن تحوّل مفهومنا سريعاً إلى خطوات ملموسة في الواقع.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store
كاميرا المدينة