Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سهيلة زين العابدين حماد

الصهيونية المسيحية.. وبعض قادة الغرب!

A A
منذُ اندلاع عمليَّة طوفان الأقصى، أظهرت الولايات المتَّحدة دعمًا غير مسبوق لإسرائيل. حيث قال وزير الخارجيَّة الأمريكي «بلينكن» خلال زيارته لإسرائيل: إنَّه قدِمَ إلى إسرائيل بصفتهِ يهوديًّا قبل أنْ يكون وزيرًا لخارجيَّة أمريكا، وقال: «الرِّسالة التي أحملها إلى إسرائيل هي: قد تكون قويًّا بما يكفي للدِّفاع عن نفسك، ولكن ما دامت أمريكا موجودة، فلن تُضطر أبدًا إلى ذلك، سنكون دائمًا بجانبك».

والسَّؤال الذي يطرح نفسه: ما أبعاد ودلالات هذه المقولة على السياسة الأمريكيَّة، وموقفها من الصِّراع العربيِّ الإسرائيليِّ والقضيَّة الفلسطينيَّة؟.

قبل الإجابة عن هذيْن السُّؤاليْن؛ ينبغي التعرُّف على الصهيونيَّة المسيحيَّة؛ لتتضحَ الصورة كاملةً أمامنا.

فالصهيونِيَّة هي حركةٌ سياسيَّةٌ يهوديَّةٌ، ظهرت في وسط وشرق قارة أوروبا، في أواخر القرن التاسع عشر، ودعت اليهود للهجرة إلى أرض فلسطين؛ بدعوى أنَّها أرضُ الآباءِ والأجدادِ، ورفض اندماج اليهود في المجتمعات الأُخْرَى للتحرُّر من معاداة الساميَّة والاضطهاد الذي وقع عليهم في الشَّتات، وبعد فترة طالب قادةُ الحركة الصهيونيَّة بإنشاء دولةٍ منشودةٍ في فلسطين. وبعد تأسيس دولة إسرائيل عام 1948م، أخذت الحركة الصهيونيَّة على عاتقها توفير الدَّعم الماليِّ والمعنويِّ لدولة إسرائيل.

أمَّا الصهيونيَّة المسيحيَّة، فهي تُطلَق -عادةً- على معتقد جماعة من المسيحيِّين المنحدرين -غالبًا- من الكنائس البروتستانتيَّة الأصوليَّة، والتي تؤمن بأنَّ قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان ضرورةً حتميَّةً؛ لأنَّها تُتمِّم نبوءات الكتاب المقدَّس بعهدَيه القديم والجديد، وتشكِّل المقدمة لمجيء المسيح الثَّاني إلى الأرض كملكٍ منتصرٍ، ويعتقد الصهاينةُ المسيحيُّون أنَّ من واجبهم الدِّفاع عن الشعب اليهوديِّ والدَّولة العبريَّة، ويعارضُونَ أيَّ نقدٍ لإسرائيل، خاصَّةً في أمريكا.

التدبيريُّون لا يؤمنُونَ بأنَّ المسيحيَّة أتت لتحلَّ محلَّ اليهوديَّةِ، بل أتت لكي تُعيد لها عناصرها المفقودة، فبحسب فهمهم للكتاب المقدَّس يعتقدُونَ بأنَّ قيام إسرائيل عام 1948 كان الخطوة الأولى لعودة المسيح للعالم، حيث سيخوض حربًا فيها ضدَّ قوى الشرِّ تُسمَّى هرمجدون (شمال فلسطين)، يُقتل خلالها ثُلثا الإسرائيليِّين، ويهتدي الثُّلث الباقي للمسيحيَّة.

والصهيونيَّة المسيحيَّة كفكر دينيٍّ رؤيويٍّ سياسيٍّ حديث يجد جذوره في تيار دينيٍّ يرجع للقرون الأولى للمسيحيَّة يُدعى بتيار الألفيَّة. والألفيَّةُ هي معتقدٌ إيمانيٌّ ظهر بين مسيحيٍّين من أصول عبريَّةٍ حافظوا من ديانتهم القديمة على ما يُسمَّى بالماشيحيَّة الزَّمنيَّة، وعلى التأويل الحرفيِّ لنصوص العهد القديم، خاصَّةً ما ورد في سفر رؤيا يوحنا (20: 3 - 6). فهم يعتقدُونَ بأنَّ المسيحَ سيعود إلى عالمنا مع ملائكتهِ والقديسِينَ؛ ليحكمَ الأرضَ كملكٍ لمدَّة ألفِ عامٍ، ومن هنا جاءت تسمية الألفيَّة.

إنَّ حرب 1967 كانت لمتبنِّي الصهيونيَّة المسيحيَّة، أشبه بمعجزة إلهيَّةٍ، تمكَّن فيها اليهودُ من دحر عدَّة جيوش عربيَّة مجتمعة في آن واحد، وأحكمت خلالها الدَّولةُ العبريَّةُ سيطرتها على بقية أراضي فلسطين التاريخيَّة. وبالنسبة للتدبيريِّين فإنَّه باحتلال إسرائيل للقُدس والضفَّة الغربيَّة تحقَّقت نبوءات الكتاب المقدَّس، فشجَّعت هذه العلامات «الإلهيَّة»، مسيحيِّين إنجيليِّين آخرين، على الانخراط في صفوف المدافعين عن إسرائيل، وإلى دفع الولايات المتَّحدة للبقاء إلى جانب «الطَّرف الصَّحيح» في تتميم النبوءات.

ويُعتبر عام 1979 عامًا استثنائيًّا بالنسبة لتاريخ الصهيونيَّة المسيحيَّة؛ إذ أنشأ القسُّ جيري فالويل في الولايات المتَّحدة منظَّمة الأغلبيَّة الأخلاقيَّة. ومع بلوغ عدد أعضائها ستة ملايين، أصبحت المنظَّمة كتلةً انتخابيَّةً قوِّيةً عُزي إليها فضل نجاح رونالد ريغان في الانتخابات الرئاسيَّة الأمريكيَّة لعام 1980. ينصُّ أحد المبادئ الأربعة التأسيسيَّة لمنظَّمة الأغلبيَّة الأخلاقيَّة على «دعم إسرائيل والشعبِ اليهوديِّ في كلِّ مكان».

في عام 1980 صرَّح فالويل بأنَّ «اللهَ باركَ أمريكا؛ لأنَّها باركت اليهود. فإذا أرادت هذه الأمَّة أنْ ترى حقولها محافظةً على بهائها وإنجازاتها العلميَّة، وعلى ريادتها وحرِّيتها، فعلى أمريكا أنْ تبقى واقفةً إلى جانب إسرائيل». وبعد أنْ حُلَّت منظَّمة الأغلبيَّة الأخلاقيَّة عام 1989، أسَّس الصهاينةُ المسيحيُّون في الولايات المتَّحدة عدَّة مؤسَّسات، هدفها المُعلَن التَّشجيع على مساندة إسرائيل، أبرزها: «مسيحيُّون متَّحدُون من أجل إسرائيل» وصفها القسُّ جون هاجي بالنُّسخة المسيحيَّة من أيباك، ومؤسَّسات أُخْرَى مثل: «مؤتمر القيادة المسيحيَّة الوطني من أجل إسرائيل»، «ائتلاف الوحدة من أجل إسرائيل»، و«السفارة المسيحيَّة العالميَّة في أورشليم» وغيرها.

ومعتقدات معتنقي الصهيونيَّة المسيحيَّة قائمة على عقيدة عودة المسيح، المبنية على قتل أكبر عددٍ من الفلسطينيين والعرب، للتَّسريع بعودة المسيح إلى الأرض، ويعتبرُون حرب أمريكا في العراق، والمعارك السياسيَّة التي يشنُّها البيت الأبيض ضدَّ إيران وسوريا، وبقية أعداء إسرائيل؛ هي «عبادةٌ مقدَّسةٌ» من شأنها أنْ تسرِّع بعودة المسيح إلى الأرض.. ويرفض الصهاينة المسيحيون كلَّ القرارات والسياسات التي تصبُّ في اتجاه التخلي عن جزء ولو بسيطاً مما يسمونه «أرض الله الموعودة للشعب اليهودي»، ويعتبرونها «عرقلة» لمخطط عودة المسيح. ولهذا يدفعون حكوماتهم إلى عرقلة محاولات التوفيق في المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإجهاض كلِّ المجهودات الهادفة لإحلال السلم بالمنطقة.

ومن هنا نجدُ استحالة أنْ يقرَّ قادة الدُّول الغربيَّة المعتنقون للصهيونيَّة المسيحيَّة قيام دولة فلسطينيَّة مستقلِّة ذات سيادة، تضم غزَّة والضفَّة الغربيَّة، عاصمتها القُدس الشرقيَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store