Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

«القواعد من النساء».. بيولوجيًّا أو اجتماعيًّا؟!

A A
ذكرَ القرآنُ الكريمُ -وفقَ توجيهاتِهِ الكريمةِ- أنَّ هناكَ سِنًّا في حياةِ المرأةِ يمكنُ أنْ تضعَ فيهِ ثيابَهَا، وهُو سنُّ القواعدِ من النِّساءِ، وربطَ هذَا السنَّ في وضعِ الثيابِ بشرطَينِ، الأوَّل: أنَّهنَّ من اللَّائِي لا يرجُونَ نكاحًا، والثَّاني: هُو عدمُ التبرُّجِ بزينةٍ، وذلكَ في قولِهِ تعالَى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) «سورة النور»، فجعلَ الاستعفافَ كاختيارٍ لهُنَّ لتحقيقِ الخيريَّةِ، ويبقَى السُّؤالُ في استقصاءِ المقصودِ من قولِهِ تعالَى: (لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا)، حيثُ هُو محلُّ الإِذنِ بأنْ تضعَ المرأةُ ثيابَهَا، هلْ هُو بيولوجيًّا أو اجتماعيًّا؟

إنَّ أصحَّ مَا نسيرُ بهِ منهجًا في أمورِ حياتِنَا، هُو كتابُ اللهِ وسُنَّةُ رسولِهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وليسَ العادات والتَّقاليد، وهذَا مربطُ الفرسِ في نقاشِ موضوعِ القواعدِ من النِّساءِ، ووضعهنَّ لثيابِهنَّ، لقدْ أشارَ المفسِّرُونَ إلى أنَّ المقصودَ بالقواعدِ من النِّساءِ هُنَّ مَن انقطعَ عنهنَّ الحيضُ، وهذَا هُو الارتباطُ البيولوجيُّ في الموضوعِ، وهُو يتفاوتُ مَا بينَ الخمسِينَ إلى السِّتِينَ من العمرِ بحدٍّ أقصَى، ولكنْ يمكنُ بعضُ النِّساءِ ينقطعُ الطَّمثُ عنهنَّ (سنُّ اليأسِ) قبَلَ ذلكَ بقليلٍ أو بعدَهُ بقليلٍ، فبالتَّالِي الوضعُ البيولوجيُّ للدورةِ هُو الذِي يحدِّدُ أنْ تضعَ ثيابَهَا، وهذَا على رأيِ بعضِ العلماءِ.

أما الرأي الآخر للعلماء، الذي يذهب إلى أن السن هو السبعين والثمانين، أي قاعد في بيتها قليلة الحركة، وهو لا يقوم عليه دليل، وهو رأي فيه إجحاف لحق المرأة، فإذا كان الأمر بيولوجياً وتبعاً لانقطاع الدورة عن المرأة تماماً، بقي أن كثيراً من النساء في هذا السن لا تزال الواحدة منهن تجذب، خاصة إذا كان فيها مسحة جمال، فهل يحق لها أن تضع ثيابها ملتزمة ألا تتبرج بزينة؟.

والسُّؤالُ الآخرُ: هلْ المرأةُ إذَا بلغتْ سِنَّ انقطاعِ الدورةِ لَا يكونُ لديهَا رغبةٌ في الرِّجالِ (لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا)؟

إنَّ المقرَّرَ بيولوجيًّا أنَّ الناحيةَ الجنسيَّةَ عندَ الرَّجلِ والمرأةِ مبعثهَا هرمونيٌّ من الغددِ، وبانقطاعِ الناحيةِ الهرمونيَّةِ، وجفافِ الغددِ الباعثةِ للهرموناتِ الجنسيَّةِ، فإنَّ الرجلَ، أو المرأةَ يصبحُ لديهم عزوفٌ جنسيٌّ، ولذلكَ أحدُ الأمورِ التِي تواجهُ الرَّجلَ الشرقيَّ هُو عزوفُ امرأتِهِ عن الجنسِ فيمَا بعدَ الخمسِينَ من عمرِهَا، وانشغالِهَا عنهُ بالأولادِ والأحفادِ، بينمَا هُو لا يزالُ ينبضُ هرمونيًّا.

نعودُ إلى موضوعِنَا.. إنَّ القولَ بأنَّ المرأةَ التِي ليسَ لهَا رغبةٌ في النكاحِ أنَّ مِن حقِّها أنْ تضعَ ثيابَهَا، وتتخفَّفَ منهَا إذَا التزمتْ بعدمِ الزِّينةِ وذلكَ اتِّباعًا للرُّخصةِ التِي منحهَا اللهُ إيَّاهَا في الآيةِ، فذلكَ رأيٌّ بيولوجيٌّ، وهُو أمرٌ ليسَ إجباريًّا، إنَّما اختياريٌّ؛ لأنَّه إنْ استعفَّتْ عن فعلِ ذلكَ فهُو خيرٌ لهَا، أمَّا التفسيرُ الاجتماعيُّ بأنَّهُ مَن تكونُ «قاعدًا» (مفردُ قواعدَ) في بيتِهَا لا تتحرَّكُ، فإنْ مرَّ أحدٌ بهَا ممَّن ليسَ مِن محارمِهَا فلَا عليهَا أنْ تضعَ ثيابَهَا دونَ أنْ تتبرَّجَ بزينةٍ، وفي رأيِي أنَّ الرَّأيَ الأغلبَ والأقربَ هُو الرَّأيُ البيولوجيُّ الذِي أكَّدهُ معظمُ المفسِّرِينَ للآيةِ. واللهُ أعلمُ وأحكمُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store