حضرتُ الدورة الثمانين لمجمع اللغة العربية في القاهرة يوم 24/5/1435هـ الموافق 23/3/2014م بعد أن شرفت بانتخابي عضواً فيه، وقد كانت مناسبة نفيسة لقيت فيها علماء اللغة العربية، من مختلف أنحاء العالم، واستعادت الذاكرة أعلام الثقافة في بداية العصر الحديث الذين أغنوا المجمع على مدى ثمانين عاماً بخدمات جلّى للغة العربية، ويوصف هذا المجمع بأنه مجمع الخالدين.
أنشئ المجمع بمرسوم ملكي عام 1351هـ، 1932م لأغراض أهمها المحافظة على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون ومستحدثات الحضارة المعاصرة، ووضع معجم تاريخي للغة العربية، وتنظيم دراسة اللهجات العربية الحديثة، وإصدار مجلة تنشر بحوثاً لغوية، والعناية بنشر التراث العربي، ودراسات فقه اللغة، وانفرد من بين المجامع أن يختار أعضاؤه من غير تقيّد بالجنسية، ومن بين العلماء المعروفين بتبحّرهم في اللغة العربية أو أبحاثهم في فقه اللغة أو لهجاتها.
وقد بدأت أولى جلساته عام 1934م وتعاقب على رياسته عدد من الأعلام هم: محمد توفيق رفعت، فأحمد لطفي السيد، فالدكتور طه حسين، فالدكتور إبراهيم مدكور، فالدكتور شوقي ضيف، فالدكتور محمود حافظ، فالدكتور حسن الشافعي، وقارب أعضاؤه على مدى ثمانين عاماً 250 عضواً، وأصدر عدداً كثيراً من القرارات في شؤون اللغة، وعدداً من المعجمات هي المعجم الكبير الذي سينتهي إصداره خلال 5 سنوات في عدد من المجلدات، ومعجم ألفاظ القرآن الكريم، والمعجم الوسيط الذي انتهى المجمع من تحديثه هذا العام بعد صدوره قبل ثلاثين عاماً وطباعته عشرات المرات، إضافة إلى المعجم الوجيز لطلاب المراحل الثانوية، وتصدر مجلته مرتين في السنة مشتملة على عدد من البحوث، أما المعاجم العلمية فأصدر معجماً في كل علم، في الفيزياء والكيمياء والمصطلحات الطبية وغيرها.
يجمع المجمع في اجتماعاته بين اجتماعات مهنية تناقش ما أنتجته لجانه خلال عام في مختلف التخصصات، ومحاضرات عامة، وقد تناولت هذا العام الموضوع المخصص وهو التعريب، ويلقي كل يوم 4 محاضرات على مدى اجتماعات للمجمع التي تستمر أسبوعين.
لن تتسع مساحة هذا المقال لما وعته الذاكرة من ذكريات أعلام العلماء "رؤساء وأعضاء"، الذين علقت صورهم في جنبات المجلس الذي نال في العام الماضي جائزة الملك فيصل العالمية لما قدمه من خدمات للغة العربية، ولكني سأقتصر على أسماء السعوديين الذين ضمتهم عضوية هذا المجمع وهم حمد الجاسر، وعبدالله بن خميس، وعبدالعزيز الرفاعي، وحسن القرشي، ويحيى المعلمي، وعوض القوزي -رحمهم الله- وفي عضويته حالياً كل من د. أحمد الضبيب، ود. محمد الربيع، وأبوعبدالرحمن الظاهري، ود. عبدالله العثيمين، ود. عبدالعزيز التويجري، وكاتب هذه السطور، وقد وجدت في كتاب مجمع الخالدين في خمسين عاماً الذي أصدره المجمع بمناسبة مرور خمسين عاماً أن خير الدين الزركلي كان عضواً فيه قبل هؤلاء، وبذلك يكون أول عضو من الناحية التاريخية قبل شيخنا حمد الجاسر الذي مكث فيه ما يزيد عن 45 عاماً.
هذه سطور عن مجمع الخالدين الذي أثرى اللغة على مدى ثمانين عاماً بما أنتجه علماؤه، وبما نشره من معجمات، وبما عرّب أو صحّح من ألفاظ، وما نشره من بحوث في مجلته، وبما بذل ويبذل من جهود في خدمة اللغة، والوقوف سدًا منيعًا في وجه كل من يحاول العدوان عليها، وبما حرص عليه من مواكبة اللغة للعصر، وما يثريها: تعريباً ومصطلحات ومعاجم، وتيسيرًا، ووقوفًا في وجه الزحف الهادم لمجدها.