في ظل الحصار الذي تفرضه اللهجات العامية واللغات الأجنبية -خاصة الإنجليزية- على اللغة العربية الفصحى نُفاجأ يومًا بعد آخر بما يمكن تسميته (عملية اختراق) للقلاع المنيعة للغة الضاد. العجيب في عملية الاختراق هذه أن بعض القائمين بها هم من المنتمِين للفصحى، وممن وُلدت إبداعاتهم من رحمها، وممن اكتسبوا شهرتهم من أصالتها. ندلف لموضوعنا فأقول: تُعد الأندية الأدبية إحدى قلاع الفصحى؛ إذ نص الهدف الأول من المادة الرابعة من لائحة الأندية الأدبية على أن من أهدافها «نشر الأدب والثقافة باللغة العربية الفصحى»، وهذا يعنى أنه لا مكان للهجات العامية -شعرًا ونثرًا- أو الأجنبية على منصات الأندية الأدبية، ومع هذا نُفجَع بين حين وآخر برموز ثقافية بارزة تُضمِّن نصوصَها الفصيحة قَدْرًا من الشعر الشعبي. قبل عام أقام المتألق (أدبي الباحة) مهرجانه الشعري الثاني الذي ضم نخبة من الشعراء العرب كان من بينهم العَلَم الشعري البارز (علي الدميني) الذي ألقى عددًا من نصوصه الشعرية الفصيحة وضمَّنها شيئًا من الشعر الشعبي، ولما سألته عن سر تضمينه ذَكر بعضَ الأسباب ومنها (الحرية) التي يتمتع بها الشعبي مقابل الحصار المضروب على الفصيح، ولا أظنه يعني بالحرية هنا إلا عملية (الفسح) التي تخضع لها أمسيات الفصيح في ظل إجراءات روتينية ثقيلة وبطيئة مقابل الحرية التامة لمناسبات الشعبي، ويعني بها أيضًا المساءلات وحالة الشك التي تتربص بالنصوص الفصيحة مقابل (حُسن الظن) في نصوص الشعبي، وهي أسباب جديرة بالاهتمام والوقوف عندها ومعالجتها؛ حرصًا على هويتنا ممثلة في اللغة العربية الفصحى. كذلك وبالأمس -بحسب الصحف- صدحت الشاعرة الدكتورة هند المطيري من على منصة النادي العريق (أدبي جدة) وألقت بعض قصائدها بلهجات عربية متعددة. اللوم هنا لا يقع على الأندية الأدبية بقدر ما يقع على ضيوفها، إذ ليس من صلاحياتها (تفتيش) أوراقهم، ومع هذا ينبغي من اليوم فصاعدًا في ظل هذه الموجة -التي لم تشكل ظاهرة بعد- أن يُذكِّر أعضاءُ النادي الضيفَ قبل الأمسية بأنه لا مجال للشعبي في أمسيته، وإن خاتَلَهم أثناء الأمسية فمن حقهم إيقافه فورًا. لا أقول هذا تقليلاً من الشعر الشعبي فله حضوره وقَدْرُه ورموزه وله مناسباته العديدة التي يحضر من خلالها، لكنني أعتقد أنه في غنىً عن مزاحمة الفصيح من خلال نافذته الوحيدة التي يطل منها على متذوقيه. ثم إنه ينبغي على شعراء الفصحى أن يعتزوا بلغتهم، ويَثبتوا على طريقتهم، وألا تخدعهم مقولة إن المثقفين -ومنهم شعراء الفصحى- يعيشون في أبراج عاجية وعليهم أن ينزلوا منها، ومن مقتضيات النزول أن يستبدلوا العامية بالفصحى من خلال أشعارهم حتى يحظوا بالرضا والقبول لدى (الحشد).
Mashr-26@hotmail.com