أهداني أخي الكريم معالي الدكتور سهيل قاضي مدير جامعة أم القرى الأسبق، كتابًا شيِّقًا يستحقُّ القراءة، عنوانه: (معجم الأمثال الشعبيَّة في مدن الحجاز). لمؤلِّفه المؤرِّخ والباحث في اللهجات الحجازيَّة الأستاذ فريد عبدالحميد سلامة -رحمه الله-.

يقع الكتاب في أكثر من 900 صفحة من الحجم الكبير، جمع فيه المؤلِّف أكثر من 3000 مثل شعبي، إضافة لأكثر من 4000 مثل شبيه وحِكْمة، كلها ممَّا يتردَّد على ألسنةِ أبناء منطقة الحجاز، وخاصَّة مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، وجدَّة.

والأمثالُ الحجازيةُ تمتازُ بقدرٍ كبيرٍ من التنوعِ؛ نظرًا لكون الحجاز -ولاسيَّما مكَّة- مستقرًا لطيفًا واسعًا متنوِّعًا من الثقافات والأجناس، تمثلتْ في هؤلاء الذين شرفهم الله بجوار بيته الحرام استجابةً لدعوة إبراهيم عليه السلام: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ).

وهذه الأمثال تمتازُ بقصرها، وقلَّة ألفاظها مع كثافة معانيها، فكأنَّها (تغريداتٌ) سهلةُ الفهم، شيِّقةُ الأسلوب، تكشفُ عن أسلوبِ تفكيرٍ، ومدرسةٍ في الحياةِ.

والجميل أنَّ المؤلِّف جمع كلّ هذه الحكم والأمثال من مصادرها الصحيحة، أي: من أفواه أبناء الحجاز مثقفين وعامَّة.

وبعد تصفُّحي لهذه الثروة الحجازيَّةِ، رجعتْ بي الذاكرة لأيام الطفولة، تلك الأيام الجميلة التي كنَّا فيها -والدي، وأعمامي، وعماتي، وجداتي- نسكنُ معًا في بيتٍ من ثلاثة أدوار، به خمسُ غرف فقط! هذا البيت هو وقفٌ من أوقاف الأغواتِ، يقع في شارع حمزة بن عبدالمطلبِ بالمسفلة، بالقرب من قهوة السقيفة.

في تلك الأيام الجميلة كانتْ هذه الحِكم والأمثال تتردد على سمعي، وسمع أقراني، ونحن لم نتجاوز الرابعة بعد، خاصة من جدَّتي لأبي -يرحمها الله- السيدة صالحة إبراهيم استيت، والعمَّة معتوقة -يرحمها الله-.

وبعد انتقالنا لدحلة الوِلاية في حي المسفلة، كانت الدروس المجانيَّة تعطى لنا عن طريق الأمثال والحِكم من الأقارب والجيران خارج المنزل وداخله، وكان الوالد -رحمه الله- إذا أراد التحذير من شيء، أو التشجيع على شيء أردفَ نصيحته بأحد الأمثال أو الحِكم الحجازيَّة.

ومن الأمثال التي ما زالت عالقة في ذهني ووجدتها في المعجم، ذلك المثل الشهير الذي كان والدي يردِّده دائمًا عندما يرسلني للسوق، يا ولد «ابدأ بالسوق متفرج»، أيّ تمهَّل وتفرَّج على كافة المحلاّت لتعرف الأسعار فتأخذ أقلها.

ومثل آخر كنا نسمعه دائمًا:»اللي ما يقدِّر الكبير يطيح في البير»، وهذا يُضرب للتأكيد على تقدير كبار السنِّ.

ومثل آخر: «اللي يدق الباب يلاقي الجواب»، يُضرب لمن يبدأ بإيذاء الناس فيجد ما لا يرضيه.

ومثل آخر: «اقطع العرق وسيِّح دمه»، وفيه أنَّ من الحزم حسم الموضوعات وعدم تركها معلقة.

وهكذا كانت الأمثال بابًا من أبواب التربية، ووسيلة من وسائل التوجيه.

فشكرًا للمؤلِّف على هذا المجهود، الذي سيظلُّ يُذكر فيُشكر، والشكر لمعالي أخي الدكتور سهيل على هذا الإهداء الجميل.