بالطريقة نفسها تقريبًا، وباستخدام الوسائل والمبرِّرات ذاتها، تتكرَّر حملات التجييش ضد مشروعات أو أفكار رسميَّة، أو غير رسميَّة، لمجرَّد أنَّها تشاكس وتر التوجس لدى البعض بطريقة أو بأخرى. لم تكن فكرة إنشاء هيئة للترفيه مغرية للجميع بطبيعة الحال، فكلمة (ترفيه) لا تثير إلاَّ الشبهات والقلق لدى البعض، من هنا بدأت الحملة سريعًا بالسخرية والانتقاص حتَّى قبل أن تبدأ الهيئة مهامَّها.

ولستُ هنا لأناقشَ جدوى فكرة إنشاء الهيئة، ومدى الأفق المتاح لها في ظل الظروف الراهنة، لكنِّي أودُّ أنْ أُذكِّر أنَّ اللعب والترويح عن النفس والترفيه «نزعة» فُطر عليها البشر، ولا أعتقدُ أنَّ أحدًا يُجادل في حاجة النفس البشريًّة للترفيه، وهي حاجة ضروريَّة، كضرورةَ العملِ والإيمانِ وغيرهما. أودُّ أنْ أضيفَ فقط، أنَّ طرق الترفيه تختلفُ وفقًا لعدَّة أبعاد، منها اختلاف الأذواق، والثقافات، وتحكمها جغرافيَّة المجتمعات الثقافيَّة، ومدى انفتاحها، أو انغلاقها على الآخر، بالإضافة إلى عامل الزمن الذي يلعب دورًا مركزيًّا في تغيير مفهوم الترفيه من جيلٍ لآخر: تخيَّلوا لو حاولتُ إقناع ابني «ثامر» بأنْ يقضي يومَ إجازته من عزِّ الظهيرة حتَّى يظلمَ الليلُ في مطاردة كرات البرجون (اللب، وفي رواية المصاقيل) في أزقَّة جدَّة وحاراتها..! أقل ما يمكن أنْ يُفكِّر فيه ابني أنَّ أباه خارج الزمن! ولعلَّه سيشكر الله على الأب الذي آتاه، رضا وقناعة بالقليل ليس إلاَّ!!

الدافع خلف هذه المقدِّمة الطويلة المدبجة بالبديهيات هو الحملة التي نشهدها هذه الأيام على برامج هيئة الترفيه في مختلف مدن المملكة، ولأنَّه ترفيه يا جماعة الخير، فكان لا بدَّ أن ينال نصيبه من الغناء والفرح والخروج عن مألوف وروتين الحياة اليوميَّة.. يختار قوم أن يخرجوا زرافات إلى البراري مطاردين النسمات والغيمات، بينما يُفضِّل آخرون جلسات الشوي في أسطح منازلهم، وهناك زرافات أخرى -لعلَّها أكبر وأطول عنقًا من الزرافات الماضية- تختار بنفسها، وهي في كامل قواها العقليَّة، أنْ تذهبَ لفعاليَّات الجنادريَّة، ولمسرحيَّات اليمامة، وحفلات محمد عبده، وأندية الكوميديا. نحن في جدة -مثلاً- لدينا هواية عجيبة؛ فنحن نهوى أن نتحاشر نهاية كل أسبوع في قطعة صغيرة لا تكاد ترى بالعين المجرَّدة، تُسمَّى الكورنيش! نفعل ذلك بلا مسؤوليَّة، ودون تفكير فيما نُسبِّبه من ضيق تنفُّس للهوامير الذين كتموا نَفَس البحر بكبائنهم وأحواشهم.. لكنَّ هذا ليس موضوعنا.. فموضوعنا الترفيه!!

نشهد من حينٍ لآخر حملة تُدار في أهم منابر العصر الحديث جدًّا، أعني الواتس آب، وتويتر، للتحذير من مناسبات ثقافيَّة وترفيهيَّة مختلفة.. ينتشر مقطع بعنوان: هذه هي الجنارديَّة! يركِّز على حادثة حدثت، وآخر يُحذِّر من مناسبة في المدينة المنوَّرة، ويُشنِّع آخر على شباب جدة اختلاطهم ونشوز أنشطتهم الغربيَّة المنبع. الغريب أنَّ مَن يساهم في ترويج هذه المقاطع أناس نعرفهم جيدًا: يذهبون إلى الملاهي، والمناسبات الترفيهيَّة، بل إنَّ بعضهم يسافرون لقضاء العطل خارج المملكة.. والعياذ بالله!

لنأخذ ما انتشر من مقاطع حول برنامج (كوميكون) في جدَّة كمثال..

أنا لا أتَّفقُ -شخصيًّا- مع هذا النوع من الحفلات التي لا صلة لها بهويتنا العربيَّة، لذلك لا تعجبني حفلات الرقص الغربيَّة، ولا تقليعات الهولوين وجنونها. لكنِّي أعي تمامًا أنَّ هذا اختيار فئة كبيرة من الشباب والشابات.. هذه الفئة لا تهتمُّ إنْ كانَ الهجوم على هيئة الترفيه.. أو على غيرها من الهيئات.. الأمر هكذا ببساطة!