نسيج الحي السكني يعتمد بشكل كبير على توفير العناصر الأساسية التي تُساهم في تشكيل هوية ذلك الحي عبر توزيع المرافق فيه بطريقة مدروسة تلبيةً لاحتياجات قاطنيه، فكل ساكن يتمنى أن يتوفر في حيّه السكني سُبل الراحة. ولتصميم أي حي سكني، لابد من أن يُخطط له بشكل مدروس وتصوّر مسبق تتكامل فيه كافة العناصر اللازم توفرها سواءً من النواحي البيئية أو الجمالية أو الحسيّة أو النفسية لكل مقيم فيه، كالاستقلالية والأمان وتوفير الخدمات والمرافق العامة، فهذه العناصر إذا اجتمعت معاً أضافت جوّا حيوياً للأحياء السكنية.

وللأسف الشديد، تُعاني بعض الأحياء في مدينة جدة من سوء التخطيط بما يجعل ملّاك المساكن في حالة قلق دائم. فعلى سبيل المثال، هناك من أصحاب الفلل الخاصة من ينفق مبالغ طائلة لبناء مسكنه بالشكل الذي يحلم به، ويتفاجأ بعد فترة من الزمن بتغيير المخططات للأراضي التي حوله والسماح بإنشاء مبانٍ تفوق ارتفاع مسكنه على النحو الذي يجعل داره مكشوفةً للغير. ومن أبرز الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلة غياب التخطيط العمراني، فالواجب لتدراك هذا الأمر أن يكون هنالك تخطيط مسبق لمشروع توسعة المدن بما يشمل دراسة الاحتياجات السكانية المستقبلية المتوقعة لكل حي قبل نموه وتوّسعه، فينعكس ذلك على إعطاء صورة منسقة للحي بعد اكتماله.

كل ما نلاحظه اليوم يعتبر تشويهاً للشكل العمراني داخل المدينة، فلم نعد نعرف ما إذا كان هذا الحي مخططاً من الأساس للسكن الخاص أم للمشاريع التجارية والإدارية؟ فلقد اختلط الحابل بالنابل وكأنه بات من الطبيعي أن نرى مبنى سكنياً يجاوره محال تجارية ومكاتب إدارية!

والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تعداه ليصل لخلو العديد من الأحياء السكنية حديثة التخطيط لأهم سُبل ومقومات الحياة، كخطوط الهاتف والكهرباء وقنوات توصيل المياه. كما أنّ هنالك شُحاً في بعض الاحياء في تواجد الدوريات الأمنية والتي تبعث في الأنفس الراحة والأمان، إلى جانب عمّال البلديات والأمانات الذين يعكس غيابهم تشويهاً لصورة الحي الجمالية والبيئية. فهل هذه مدينة جدة عروس البحر الأحمر التي تُعرف بجمال أحيائها ودقة تنظيمها؟ من المتسبب الأساسي في هذا الخلل؟ وكيف يمكن تفاديه في الأحياء الجديدة قيد الإنشاء؟

أخيراً، أتمنى أن يتم دراسة تخطيط الأحياء بشكلٍ دقيق بما يشمل الإلمام بكافة أبعاد كل مشروع حسب حالته وطبيعته على حده، فالحفاظ على جمال مدينتنا أمانة علينا مع العمل الجاد لتنفيذ هذه الدراسات بشكل دقيق لكي لا تكون دراسة على الورق ومراحل التنفيذ تختلف اختلافاً جوهرياً عن الدراسة.