قبل عدَّة أيام، انتشر فيديو مصوَّر عن نهر السند في باكستان، ومشروع مدِّ أنابيب من نهر السند إلى مدينة العين الإماراتيَّة عبر صحارى دولة عُمان، وهو مشروع ضخم، يزوِّد دولة الإمارات العربيَّة بكمياتٍ وفيرة من المياه العذبة، التي سوف تتجمَّع في بحيرة زايد كخزن إستراتيجي لها، ومن ثمَّ يتمُّ توزيعها على بقيَّة الإمارات.

هذه المشروعات الطموحة تُؤمِّن المياه العذبة لمحتاجيها في النطاق الجاف، والذي يعزُّ وجود الماء بالكميَّات الكافية فيه، حيث إنَّ هذه المياه المستمدة من مياه الأنهار دائمة الجريان، سوف تغطي احتياجات السكَّان، والزراعة، والصناعة، وتُحقِّق الأمن المائي في البلاد التي تقلُّ فيها الأمطار، وتعاني كثيرًا من ضربات الجفاف، التي قد تمتدُّ لفتراتٍ طويلةٍ؛ نظرًا للتقلُّبات الجويَّة، والتغيُّرات المناخيَّة التي تسيطر على معظم مساحات الكرة الأرضيَّة.

مشروع جبَّار سوف تستفيد منه دولة الإمارات الشقيقة كثيرًا في تلبية احتياجاتها من المياه، وسوف يكون لمثل هذا المشروع انعكاسات تنمويَّة رائعة، تُحقِّق نجاحات في المجالات المختلفة، سكانيَّة، زراعيَّة، صناعيَّة، وما تتطلَّبه النهضة العمرانيَّة الشاملة التي تمرُّ بها الشقيقة دولة الإمارات.

قد تكون نفس الفكرة مررنا بها هنا في المملكة قبل أربعين عامًا، عندما قدَّم الأمير محمد الفيصل -يرحمه الله- اقتراحًا مماثلاً للملك فيصل -غفر الله له- عن مشروع جلب مياه النِّيل بمدِّ أنبوب من السودان عبر البحر الأحمر إلى جدَّة، التي كانت تعاني كثيرًا من نقص المياه في تلك الفترة، وتزويد بقية مدن ومحافظات القطاع الغربي بالمياه العذبة، مع تلبية احتياج المدينتين المقدَّستين «مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة»، لسدِّ استهلاكات الحجَّاج والعمَّار والزوَّار، لاسيَّما وأنَّ النِّيل يفيضُ في أشهر الصيف، وتتدفَّق منه كميَّات كبيرة من المياه التي تُغرق مساحات كبيرة من المدن السودانيَّة.

إذن الفكرة كانت موجودة، ونُوقشت فعليًّا، ولكن الملك الفيصل -رحمه الله- فضَّل التحلية كخيارٍ إستراتيجيٍّ محليٍّ، وعمل عليها بهمَّة عالية حتَّى تحققت نتائجها المبهرة، التي نجني ثمارها اليوم، وغطَّت معظم احتياجات السكَّان من المياه العذبة على مر السنين، وأصبحت المملكةُ إحدى الدول الرائدة والخبيرة في مجال إعذاب مياه البحر.

والسؤال: لماذا -مع زيادة احتياجات المملكة للمياه الآن- لا نأخذُ بالخيار الآخر أيضًا، وبنفس مبادرة الإمارات في تحويل جزءٍ من مياه النِّيل من النقل عبر أنابيب تنقل المياه من السودان الشقيق إلى السعودية، لاسيَّما وأنَّ المسافة قريبة، ولا تتجاوز الـ300 كيلومتر؟، وبذلك تكون هذه المياه رافدًا مائيًّا مهمًّا للغاية في سدِّ احتياجاتنا من المياه العذبة، وتكون رديفًا مساعدًا لمحطات التحلية، الأمر الذي يُعزِّز الأمن المائي في بلادنا، ويكسبنا موردًا مائيًّا دائمًا يغطي احتياجات الحرمين الشريفين، ويُؤمِّن ما يطلبه الحجَّاج، والعمَّار، والزوَّار لهذه الأراضي المقدَّسة من المياه العذبة، وبالقدر الكافي الذي يغطي احتياجات الجميع، كما أنَّه يُعزِّز أواصر الصداقة والأخوَّة الصادقة بين الدول العربيَّة والإسلاميَّة في توظيف مواردنا الطبيعيَّة في خدمة شعوبنا، وخدمة الإسلام والمسلمين.