من الطقوس التي لا يكاد يخلو منها مجلس من مجالسنا؛ التحسُّر على الماضي، والتوجّد على ما نسميه «زمن الطيبين»، وترديد عبارات مثل: كانت الحياة أجمل، والقلوب أنظف، والبيوت أدفأ.. حتى التعليم والصحة والكثير من الخدمات، هناك من يرى أنها انحدرت! حتى أصبح تمجيد الماضي سُنّة متواترة؛ نتناقلها، دون أن ننتبه إلى أننا حين نصف الماضي بـ «زمن الطيبين»، فكأننا نحكم على حاضرنا، بأنه «زمن الأشرار»، أو زمن الرداءة!. المفارقة اللافتة أن هناك إجماعاً بأن الحياة التي نشتاق إليها كانت قاسية، محدودة الخيارات والرفاهية، وأن أهلها أمضوا أعمارهم يحلمون بأقل القليل مما نملكه الآن! ومع ذلك تجد من يشتاق إلى أدوات وملابس وأطعمة قديمة ولّدها شظف العيش في زمانها.. فهل السبب أننا اعتدناها في طفولتنا، فأصبحت جزءًا من ذائقتنا؟!. يجيب الباحثان (جوردان ترويسي وشيرا غابرييل) على هذه المفارقة؛ بأن بعض الأطعمة والأدوات القديمة تمنحنا السعادة، لا لأنها أفضل بالضرورة، بل لارتباطها في ذاكرتنا بأشخاص أحببناهم، ولحظات شعرنا فيها بالأمان والانتماء. الحنين إلى الماضي شعور إنساني طبيعي وجميل.. لكنه يصبح شعورًا خادعًا وربما خطيراً حين يتحول إلى حكم قطعي بأن الماضي كان أفضل من الحاضر، وهذا حكم قد تصنعه ذاكرة تنتقي ما تحب، وتسقط ما لا تريد تذكره.. والذاكرة البشرية عموماً ليست مؤرخًا أميناً ولا حتى محايدًا؛ فهي قد تتذكر دفء مشاعر البيوت القديمة، وتتجاوز ضيقها وقلة إمكاناتها.. تتغنى ببساطة الحياة وتغفل مشقتها، تتذكر التقارب الإنساني عند المرض وتنسى صعوبة العلاج، وقسوة البعد وصعوبة التواصل. المشكلة الأكبر أننا لا نشعر أننا نقارن أجمل ما بقي في ذاكرتنا عن الماضي، بأسوأ ما نعيشه من مشكلات الحاضر.. ولو أُتيح لأحدنا أن يعود إلى زمن بلا هاتف ذكي، ولا خرائط جوجل، ولا خدمات بنكية من منزله، ولا طب بالهاتف، فهل سيختار البقاء هناك؟ أغلب الظن أنه سيعود سريعًا إلى حاضره.. لكنه سيواصل في المجلس التالي، الحديث عن «زمن الطيبين» وجماله!. الحياة لا تعود إلى الوراء، ومجتمعاتنا تعيش ولله الحمد أزهى عصور وعيها وازدهارها، والبشرية جمعاء تعيش أرقى عصور تقدمها.. هذا لا يعني أن الماضي لم يكن به بعض ملامح الجمال والأخلاقيات التي افتقدناها.. لكن الماضي كالحاضر، مزيج من الإيجابيات والسلبيات. ليست المشكلة أن نلتفت إلى الماضي بمحبة، أو نحاول استعادة ما كان فيه من قيم جميلة.. المشكلة أن نستغرق في تمجيده على حساب ذم واقعنا؛ مما قد يفسد علاقتنا بالحاضر، ويجعلنا نرى كل جديد انحدارًا، وكل تغير تدهوراً. باختصار.. الماضي يستحق الحنين.. لكنه لا يستحق أن يسرق منا الحاضر.