كتاب

حين يصبح الوطن بهجة

نبيلة حسني محجوب 22 سبتمبر 2026 22:56 3 دقائق قراءة
ليست الأوطانُ حدودًا مرسومةً على الخرائط، ولا أسماءَ نحفظُها في كُتب الجغرافيا، وإنَّما هي ذلك الشعورُ العميقُ الذي يتكوَّن في داخلنا منذ الطُّفولة، وينمُو معنا عامًا بعدَ عامٍ، حتَّى يصبح جزءًا من ذاكرتنا، وهُويَّتنا، وتكويننا الإنسانيِّ. ولعلَّ المناسبات الوطنيَّة من أكثر اللَّحظات قدرةً على تحويل هذا الشُّعور المجرَّد، إلى صورةٍ حيَّةٍ نراها، ونعيشُها، ونشاركُ فيها.
وفي اليوم الوطنيِّ السعوديِّ، لا تبدُو المُدن كما هي في بقيَّة أيام العام. يكتسي المكانُ باللَّون الأخضر، وترتفعُ الأعلامُ على البيوت والشَّوارع، وتضيءُ المباني، وتصدحُ الأغاني الوطنيَّة، وتخرجُ الأُسر إلى الفضاءات العامَّة، ويتشاركُ الصغارُ والكبارُ فرحةً واحدةً، حتى يبدو الوطن كله وكأنَّه يحتفلُ بنفسه.
وقد تبدُو هذه المظاهر للبعض مجرَّد احتفالات عابرة، تنتهي بانتهاء المناسبةِ، لكنَّها -في حقيقتها- تؤدِّي دورًا أعمقَ بكثيرٍ؛ لأنَّها تصنعُ ذاكرةً وطنيَّةً مشتركةً، وتربط المناسبة بالشُّعور، والفَرحِ، والصُّورةِ، والصَّوتِ، والمَكانِ.
فالطفلُ الذي يرتدي الأخضر، ويحملُ العَلَمَ الصَّغيرَ في يده، ويشاركُ زملاءه احتفالَ المدرسة، ثمَّ يخرجُ مع أسرتهِ ليرى الشَّوارع وقد تبدَّلت ملامحُها، لا يحفظُ تاريخ اليوم الوطنيِّ فحسب، بل يعيشُ معناه. وبعد سنواتٍ ربَّما ينسى تفاصيلَ كثيرةً ممَّا تعلَّمه في طفولتهِ، لكنَّه لنْ ينسى تلك المشاهدَ التي ارتبط فيها الوطنُ بالفرحِ، والأُسرةُ بالمناسبةِ، والعَلَمُ بالاحتفالِ.
هنا تكمنُ قيمة البهجة العامَّة. فالمناسباتُ الكُبرى لا تستقرُّ في وجدان الشُّعوب بالخِطاب وحده، وإنَّما بما يصاحبُها من طقوسٍ اجتماعيَّةٍ وثقافيَّةٍ تتكرَّر، وتتحوَّل مع الزَّمن إلى جزءٍ من الذَّاكرة الجمعيَّة. ونحنُ حين نحتفلُ باليوم الوطنيِّ، لا نستعيدُ حدثًا تاريخيًّا فحسب، وإنَّما نعيد تقديمه إلى كلِّ جيل جديد باللُّغة التي يستطيعُ أنْ يشعر بها، ويفهمُهَا.
والاحتفالُ الذي يشاركُ فيه الجميعُ، يُخرِجُ المناسبةَ من إطارها الرسميِّ، إلى فضاءِ الحياة اليوميَّة. تصبح في المدرسةِ والجامعةِ، في البيتِ والشَّارعِ، وفي الحيِّ والسُّوقِ، ومكانِ العملِ. يشاركُ فيها المواطنُ والمقيمُ، الطفلُ والكبيرُ، الرَّجلُ والمرأةُ، وكلٌّ يجدُ طريقته في التَّعبير عن فرحه.
وحين يتحوَّل الوطنُ إلى بهجةٍ عامَّةٍ، يصبحُ الانتماء تجربةً معيشةً، لا عبارةً محفوظةً.
لكنَّ جَمَال الاحتفالِ لا ينبغي أنْ يحجبَ عنَّا المعنى الذي نحتفلُ من أجله.
فاليوم الوطني مناسبة لاستعادة قصة وطن، استطاع أنْ يجمع شتاته، ويوحد أرجاءه، ثم يمضي عبر العقود في بناء دولته ومؤسساته، وصولًا إلى حاضر يتغير بسرعة، ومستقبل تتطلَّع إليه أجيالٌ جديدةٌ بطموحاتٍ مختلفةٍ.
ولذلك فإنَّ من أجمل ما يمكن أنْ نقدَّمه لأبنائنا في هذه المناسبة؛ ألَّا نكتفي بأنْ نضعَ العَلَمَ في أيديهم، بل أنْ نحكي لهم -أيضًا- لماذا نرفعُه؟. أنْ يعرفُوا شيئًا من قصَّة بلادهم، ومن التحوُّلات التي عاشتها، ومن الجهود التي بذلتها الأجيالُ التي سبقتهم. فالمعرفةُ تمنح الاحتفالَ معناه، والفرحُ يمنحً المعرفة قدرتها على البقاء في الذَّاكرة.
لقد تغيَّرت أشكالُ الاحتفال باليوم الوطنيِّ مع تغيُّر المجتمعِ، واتَّسعت مساحاتُه، وأصبحت المدنُ والقُرى جميعُها مسرحًا لفرحةٍ تتكرَّر كل عام. وهذا الاتِّساع ليس تفصيلًا عابرًا؛ لأنَّ المناسبات التي يشاركُ المجتمعُ في صناعتها هي الأقدرُ على الاستمرار في وجدانِهِ.
نحنُ لا نورِّث أبناءنا الوطن، بوصفه أرضًا فقط، بل نورِّثهم -أيضًا- ذاكرتَهُ.
ولهذا ربَّما تبقى في ذاكرة طفل من هذا الجيل، بعد عقودٍ طويلةٍ، صورةُ شارعٍ أخضرَّ بالأعلامِ، أو أغنيةٍ وطنيَّةٍ سمعهَا مع أسرتِهِ، أو ليلةٍ خرجَ فيها النَّاسُ جميعًا إلى المدينة، وهم يحملُون الفرحَ نفسه. وسيكونُ لتلك التفاصيل الصَّغيرة أثرٌ لا تصنعه الكلماتُ وحدها.
فالأوطانُ تحتاجُ إلى المعرفة بتاريخها، وتحتاجُ إلى العمل من أجل مستقبلها، لكنَّها تحتاج -أيضًا- إلى لحظاتٍ نحتفي فيها بها. لحظاتٍ يصبحُ فيها الوطنُ بيتًا كبيرًا مضاءً بالفرحِ، ويصبحُ الفرحُ نفسه طريقةً جميلةً؛ لنقول للأجيال القادمة: هنا وطنُكُم، وهذه حكايتُهُ، وهذه فرحتُكُم بهِ.

أخبار ذات صلة