الذكاءُ الاصطناعيُّ، هذا الماردُ الإلكترونيُّ الجديدُ، يحتاج في واقعه إلى تعاملٍ ذكيٍّ ودقيقٍ، وخاصَّةً في موضوع صياغة الأسئلة؛ فالآلةُ لا تملك حاسَّة سادسة لتقرأ بها ما يدور في دهاليز عقلِك المزدحم. وقديمًا قال العربُ وعقلاؤهم: «طرحُ السُّؤالِ الصَّحيحِ نصفُ الإجابة»، بل إنَّ بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، وأكَّد أنَّ «طرح السُّؤال أهمُّ من الإجابةِ نفسها». لقد كان العربُ يهتمُّونَ بالسُّؤالِ اهتمامًا بالغًا؛ لأنَّه مفتاحُ العقلِ، وأمارةُ الفطنةِ، بينما يكتفي بعضُنا اليوم، بدخول منصَّات الذكاءِ الاصطناعيِّ، وكأنَّه يدخلُ إلى مطعمٍ يكتفي فيه بقوله للنَّادل: «أبشرِّك، أنَا جائعٌ!».. طيِّب وما الخُطوة التَّالية؟ هل نأتِي لك بجرادٍ مشويٍّ، أم بكتفِ خروفٍ؟! هذا المحرَّكُ البرمجيُّ ليس قارئًا لفنجان المستقبل، بل هو مرآةٌ تعكسُ مدى وعيِك ووضوحِك. وبناءً على ما تقتضيه أدبيَّات البحث العلميِّ، وممارسات هندسة الأوامر العالميَّة.! وحتى يتَّضح المقال، إليكم هذه الكلمات التي تجمعُ السُّخرية بالمثال: قُلْ وَلا تقُلْ للذكاءِ الاصطناعيِّ: * أوَّلًا: حدِّد له الدور والمهمَّة باستخدام صيغة «بصفتِكَ» لا تقلْ: «اكتُبْ لي خطَّةً تسويقيَّة» وتصمت، كأنَّك تسألهُ عن أحوال الطَّقس في القطبِ المتجمِّد! قُل له مثلًا: «بصفتِك خبيرًا في التَّسويق الرقميِّ، وتحترف هذا العمل منذ عشر سنوات في السُّوق السعوديِّ، اكتبْ لِي خطَّة تسويقيَّة مبتكرة». من المهمِّ جدًّا هنا أنْ تبدأ بعبارة «بصفتك» أوَّلًا لتضعهُ في الخانة التي تريدُها بدقَّة، وتذكرُ له الموضوع بوضوحٍ عبر هذه العبارة السحريَّة، لتلبسه الوشاح المناسب، بدلًا من تركه يرتدي ملابس السِّباحة في حفلٍ رسميٍّ! * ثانيًا: زوِّده بالخلفيَّة والمُعطيات لا تقلْ: «كيفَ أنجحُ في مشروعِي؟» (هذا سؤالٌ يصلحُ لجلسةِ سمرٍ فوق رمال الثمامة، أو جلسة على شواطئ جُدَّة، ولكنَّه لا يصلحُ لآلةٍ صمَّاءََ تنتظر أرقامًا وبياناتٍ!). قلْ له مثلًا: «بصفتِي شابًّا أملكُ متجرًا إلكترونيًّا لبيع الشَّاي المحكورِ، وأواجهُ تحدِّيات مثل قلَّة الزبائنِ، وضعفِ المبيعاتِ في فترةِ الظُّهر والفترة المسائيَّة، كيفَ أتغلَّب على هذه التحدِّيات؟». عندما تقدِّم له تفاصيل شايِِك المحكورِ في المقدِّمة، فلن يضطر للتَّخمين، فيعطيك وصفةً لبيعِ التُّمور بدلًا من ضبط مزاج عشَّاق الشَّاي! * ثالثًا: حدِّد له القيود والتنسيق لا تقل: «أعطنِي معلوماتٍ عن الإدارة»؛ لتفاجَأ بتقريرٍ أطولَ من معلَّقة امرئ القيس، يجعلك تكرهُ الإدارة والتقنية معًا. قلْ له مثلًا: «بحدود 150 كلمةٍ فقطْ، وعلى شكل نقاطٍ مختصرةٍ ومباشرةٍ، صُغْ لي خمسَ أفكارٍ عمليَّة لإدارة الوقت». هكذا تضع شروطَك أوَّلًا، فترسم له خطوطًا حمراءَ، وسياجًا يمنعه من الثرثرة الإلكترونيَّة. حسنًا، ماذا بَقِي!؟ بَقِي القول تُظهِر الحقيقةُ المُضحكةُ المُبكيةُ بأنَّ الذكاء الاصطناعي ليس ذكيًّا لدرجة قراءة النَّوايا، فإذا كان سؤالُك عشوائيًّا مشتَّتًا كخلطةِ «سمك لبن تمر هندي»، فلا تلم العقلَ الإلكترونيَّ إذا أتتك الإجابةُ هجينةً على هيئة «شوربة كوارع بالشوكولاتة»، لا تسمن، ولا تغني من جوعٍ؛ لذا عليكَ إتقان فنِّ السُّؤالِ.