* عندما أقولُ (السفهاء)، فلا أعني به صغار السنِّ، وحدثاء الحياة، ولكنَّني أعني بذلك كبار السنِّ ممَّن تجاوز حد التقاعد، باعتمار رأسه بثوب الشَّيب، واختمار وجهه برداء التجاعيد. * بعض ما يُسمُّون بالنخب الثقافيَّة -من الكُتَّاب، والأكاديميِّين، والشُّعراء، وأصحاب الأقلام-، هكذا كنَّا نظنُّ، ويظنُّ طيِّبُو السَّريرة، قد أصبحوا مع ما أحدثته -وتُحدِثه- مواقعُ التَّواصل الاجتماعيِّ، وقنواتُها المتعدِّدة من تعريةِ أضحوكةٍ تأريخيَّةٍ..! * فهناك تصرُّفات صبيانيَّة تحوَّلت إلى مهازلَ يتندَّرُ بها أصحابُ العقل والحصافة، ويمجُّها أصحابُ الكياسة والفطانة، ويلفظُها الأطفالُ وحدثاءُ الأسنانِ. * إنَّ أدنى رجالات الجاهليَّة -ناهيك عن ساداتها- ولأدنى الأعرابِ في ضواحي الصَّحراء، لو رأى مثل ما نراهُ اليوم من هذه الصِّبيانيَّات؛ لاستنكرَ عليهم، وشدَّد في عبارات الإنكار والاستهجان. * صبيانيَّة في الرُّؤية، وصبيانيَّة في الفكرة، وصبيانيَّة في الطَّرح، وصبيانيَّة في جُلِّ ما يطرحُونَه عبر مواقع التواصل بتعدُّد أنواعِها وبثوثِها. * فبعض هذه الأسماء قد يشكُّ الشَّاكُّ في شهاداتِهم التي يترنَّمُونَ بها، وقد يشكُّ الشَّاكُّ فيما كانُوا يكتبُونَه من مقالاتٍ؛ بل قد يصل الأمر إلى حدِّ الشَّك في وصولهم إلى بعض المناصب التي كانُوا يتربَّعُون كراسِِيهَا. أهُم قادة فكرٍ ووعيٍ وإدراكٍ، أم قادةُ سفهٍ وطيشٍ وسوءٍ؟ ***** * يخوض وطنُنا حربًا دفاعيَّة، ويمرُّ بتهديداتٍ وجوديَّةٍ، ومؤامراتٍ متعدِّدةٍ تُحاك ضدَّه في العلن والسِّر، والبعض -هم قلَّة قليلة جدًّا- عكف لسانَه وطوَاه عن كلمةٍ في حقِّ هذا الوطن، ولواه نحوَ السَّفهِ، والطّيش، والسَّيئ من الأقوال والأفعال. * يعلِّمنا التأريخُ أنَّ بعض الأسماء التي كنَّا نعوِّل عليها، تسقطُ سقوطًا مدوِّيًا عند أوَّل امتحان، وتهتزُّ عند أوَّل اختبارٍ وطنيٍّ، ففي زمن الأزمات والحروب، لا مكانَ لصوت الحياد، ولا مكانَ أبدًا للصَّمت والخَوَر، فإمَّا أنْ تكون بلحمِك، ودمِك، وعقلِك، وقلمِك، وحرفِك مع قيادتِك، ووطنِك، أو ألَّا تكون...! * أنا هنا لا أشكِّكُ في وطنيَّة أيِّ فردٍ، فكثيرٌ جدًّا -بحمد الله- مَن أثبتَ للوطن حبَّه، وبرهنَ على ولائِه وصحَّةِ انتمائِه، حتى استحال قلمُه سهمًا في خاصرةِ الأعداء، ونورًا مشعًّا بالوعي والبصيرة. ***** «وَشْمٌ عَلَى سَاعِدِي نَقْشٌ عَلَى بَدَنِي وَفِي الفُؤادِ وَفِي العَينَينِ يَا وَطنِي شمسًا حملتُك فوقَ الرَّأسِ فانسكبتْ مساحةً ثرَّةَ الأَضواءِ.. تَغمرُنِي قبََّلتُ فيكِ الثَّرَى حُبًّا.. وَفَوَق فَمِي من اسْمِرَار الثَّرى دِفءٌ تَملَّكَنِي» هكذا يقولُ الشاعرُ، وهكذا يقولُ آخر: «فِي السلمِ يشهدُ لنَا عمَّارُ الأوطانِي وَفِي الحربِ لأرواحِنَا للموتِ بيَّاعُه حِنَّا سياجُ الوطنِ عَن كلِّ عُدوانِي والجيشُ والأمنُ سارِي العزِّ وشراعُه».