إذا كان المقال السابق قد وضع المشرط على تشريح جثة الهيكل التنظيمي الميتة تحت إدارة أبوجلمبو، فإننا اليوم نرتدي القفازات المطاطية ونفتح حقيبته السرية، تلك الحقيبة المصنوعة من جلد التمساح الوهمي، لنكتشف الأدوات اليدوية التي يمارس بها هوايته المفضلة: إدارة الأزمات التي يصنعها ببراعة فنان، ثم يعجز عن حلها كبائع ليمون فاشل، فالموظف البسيط قد يظن أن العمل المؤسسي محكوم بلوائح وأنظمة، لكنه يكتشف لاحقاً أن هناك دستوراً خفياً يديره أبوجلمبو بمنطق العزبة، لا بمنطق المؤسسات. يجتمع أبوجلمبو بفريقه، ولو قمنا بحساب التكلفة المالية لساعات عمل هؤلاء الموظفين المجتمعة حول الطاولة، لتم بناء مدرسة ابتدائية ومستوصف ريفي! لكن المحصلة النهائية دائماً، صفحة بيضاء كقلب طفل رضيع. الاجتماع عنده ليس لاتخاذ قرار قط، بل لتحقيق ثلاثة أهداف مقدسة: استعراض العضلات الوهمية، إلقاء محاضرة إنشائية مطولة حول الأمانة والولاء، والتضحية من أجل الكيان، وهو يقصد شخصه الكريم بالطبع، فالكيان وأبوجلمبو شيء واحد لا يتجزأ، واستنزاف الطاقة بطرح مشاكل فرعية تافهة لا قيمة لها، وإشعال نقاشات بيزنطية عقيمة حول أين الانتداب القادم، وفي أي دولة سوف يكون، لضمان استهلاك أذهان الموظفين في تفاصيل جانبية تبعدهم تماماً عن الإبداع الحقيقي، وتوزيع التهم الاستباقية، وإلقاء تلميحات عامة تفيد بأن هناك تقصيراً فادحاً في الأفق، لكي يشعر الجميع بالذنب المزمن، ويظلوا في موقف الدفاع المستميت طوال الأسبوع. المدير الناجح يبحث دائماً عن الأكفأ والأجدر ليُمكّنه ويقود من خلفه، أما أبوجلمبو فيعاني من فوبيا الكفاءات، لذا يبحث حصرياً عن التابع الطائع؛ ذلك الكائن الذي يفتقر تماماً إلى المبادرة، ويمتلك استعداداً فسيولوجياً لتنفيذ التعليمات العمياء دون نقاش أو تفكير، إنه يعتمد بامتياز سياسة التمكين العكسي؛ حيث يُهمّش أصحاب العقول النيرة والخبرات العالية، ويضعهم في زوايا مكتبية معزولة بلا صلاحيات، بينما يمنح الأضواء الكاشفة، والمكاتب الفسيحة، والصلاحيات المطلقة لمن لا يستحقون حتى كتابة إجازة سنوية، كل ذلك لضمان ألا يبرز بين جموع الموظفين من يهدد عرشه الكرتوني المهتز. ولا يريد أبوجلمبو أبداً أن تسير الأمور بسلاسة؛ فالإنجاز السلس يعري عجزه ويكشف تفاهة دوره. لذلك، تجده خبيراً دولياً في اختراع التعقيدات البيروقراطية، على أمر إداري لا يستحق توقيعاً واحداً! ويخلق إجراءات ورقية معقّدة تشبه المتاهة اليونانية، لكي يصبح هو حصرياً عنق الزجاجة الوحيد الذي يجب على الجميع المرور من تحته، وبهذا يضمن حاجتهم الدائمة إليه، واستمرار سطوته المصطنعة، وقدرته على تعطيل مصالح خلق الله متى ما أراد أن يمارس هواية الابتزاز الوظيفي. في بلاط أبوجلمبو، لا تُقاس قيمة الموظف بإنتاجيته أو بعدد معاملاته المنجزة، بل تُقاس بقدرته على جلب الأخبار الخفية، ونقل ما يقوله الزملاء في الاستراحة أو على مائدة الغداء! تجد لديه شبكة استخباراتية من الموظفين المتفرغين لنقل الدسائس والهمسات، هؤلاء يحظون بكل الرعاية والترقيات السريعة، بينما يُحارب الموظف الشريف الذي يكتفي بعمله الصامت، ويعتبر أن النميمة آفة إدارية. إن أدوات أبوجلمبو الإدارية تعتمد كلياً على الظلام التنظيمي؛ فهو يزدهر فقط ويفرخ ألاعيبه في البيئات التي تغيب عنها الشفافية ومعايير الأداء الواضحة، وعندما يجد من يستمع إليه، وينخدع بوعوده الزائفة. وحين تنقشع ضبابية كواليسه وتظهر لغة الأرقام والأنظمة الصارمة، يبدأ عرشه المتهالك في التداعي كبيتٍ من القش في مهب الريح. (إلى أين رحلتك القادمة؟).