في الأزمات، لا تُقَاس المواقفُ بما تقوله الألسنُ والبياناتُ، بل بما تكشفُه الأفعالُ، فالكلماتُ المنمَّقةُ لا تصنعُ حليفًا، وبياناتُ الشَّجبِ والإدانةِ لا تسترُ عورةَ التناقضِ.. حين تتحدَّث العواصم بلغةِ التَّضامن، بينما تمارسُ على الأرض سياسةَ النَّقيض. لقد سئمَ الشارعُ العربيُّ من ازدواجيَّةِ الخطاب السياسيِّ، وملَّ بياناتِ القلقِ والاستنكارِ التي تتكرَّرُ كلَّما سالتِ الدِّماءُ، فيما تواصلُ المليشياتُ والجماعاتُ المتطرِّفةُ عبثَها بالأوطانِ، مستندةً إلى دعمٍ خفيٍّ، أو احتضانٍ معلنٍ، أو بمنابرَ تمنحُها مساحةً للتهديدِ والابتزازِ. تسمعُ مسؤولًا يعلنُ وقوفه معك قلبًا وقالبًا، فيما يفتحُ الأبوابَ لخصومِك، وتُمدُّ إليهم يدُ الرِّعاية والإيواءِ. وتسمعُ آخرَ يصف جرائمهم بأنَّها انتهاكٌ للقانون والإنسانيَّة، بينما تظلُّ منابرُه منصَّاتٍ لخطابِهم.. وتتحوَّل إدانته إلى مجرَّد ديكورٍ سياسيٍّ يُخفِي وراءَه حساباتِ المصالحِ والمناوراتِ. وثالثٌ يطالبُ المجتمعَ الدوليَّ بموقفٍ حازمٍ، فيما تتناقضُ أفعالُه مع أقوالِهِ، وتظلُّ حقيقة موقفهِ رهينةَ ما يقدِّمه من دعمٍ، أو ما يوفِّره من غطاءٍ. فأيُّ تضامنٍ هذا الذي يتقنُ لغةَ الوفاءِ، ويمارسُ أفعالَ الخذلانِ؟ وأيُّ صداقةٍ تلك التي تبتسمُ في وجهِك، بينما تهيِّئُ لخصمِك أسبابَ القوَّة؟ إنَّ سياسة المواربة، قد تمنحُ أصحابَها هامشًا للمناورةِ، لكنَّها لا تمنحهُم احترامَ الشعوب، فالمواقفُ الرماديَّةُ حين تتعرَّض الأوطان للخطرِ، وتُزهَق الأرواحُ لا تُقَرأ بوصفِها حكمةً دبلوماسيَّةً دائمًا، بل قد تُفهَم تواطؤًا مقنَّعًا أو انتهازيَّةً تتخفَّى خلف عباراتِ التَّوازنِ والحيادِ. لسنا بحاجة إلى مجاملاتٍ تُقَال في العلن، ثمَّ تنقضُها الممارساتُ في الخفاءِ، ولا إلى بياناتٍ تُخدِّر الوعيَ، بينما تُغذِّي الأزمات. نحن بحاجةٍ إلى مواقفَ واضحةٍ تُطابقُ فيها الأقوالُ الأفعالَ، ويكون فيها الاختلافُ معلنًا، كما يكون الوفاءُ صريحًا، فالصَّراحةُ مهما كانت قاسيةً أكرمُ من تضامنٍ كاذبٍ.. والخصومةُ الواضحةُ أهونُ من صداقةٍ تتقنُ الطَّعن من الخلفِ. فقُلْ كلمتك بوضوحٍ إنْ كنتَ معنا، ولتشهد أفعالُك بذلك.. وإنْ كنتَ ضدَّنا فقُلْها بصراحةٍ.. أمَّا أنْ تمنحنا وجهَ الصديق، وتمنح خصومَنا أسبابَ القوَّة، فذلك ليسَ حيادًا، ولا حكمةً، بل ازدواجيَّةٌ لا تصنعُ سلامًا، ولا تحفظُ صداقةً، ولا تبني ثقةً. في السياسة، قد تتعدَّد المصالحُ، وتتباينُ الحساباتِ، لكنْ تبقى للمواقفِ الصادقةِ قيمةً لا تشتريها الأموالُ، ولا تصنعُها البياناتُ. فليس مطلوبًا من أحدٍ أنْ يتَّفق معنا في كلِّ شيءٍ، وإنَّما المطلوبُ ألَّا يخدعنَا بادِّعاء ما لا يمارسُه، وألَّا يجعل من المجاملةِ قناعًا للمناورةِ. كُنْ معَي بوضوحٍ، أو كُنْ ضدِّي بصراحةٍ، فالحقيقةُ المُوجعةُ أكرمُ من الوهمِ الجميلِ، والوجهُ المكشوفُ أصدقُ من ألفِ قناعٍ. magz0020@gmail.com