لو كانت بلقيسُ (ملكة سبأ) تعيشُ بيننا؛ لاهتزَّ عرشُها ألمًا لمشهدٍ مروِّعٍ، عاشه أبرياء في مطار الملك خالد الدوليِّ لحظة صعودهم للطائرة، وأكثرهم من المعتمرِين، الذين يلوح في وجوههم الأمل، وأحلام الوصول للمشاعر المقدَّسة في خيالاتهم؛ ليصبحوا في دقائق ضحايا يد الغدر والحقد الأعمى من الحوثيِّين، على أحد أهم الأعيان المدنيَّة التي تحرِِّم القوانين الدوليَّة استهدافَها. بل طالت يدُ الغدر حتَّى المقدَّسات الإسلاميَّة في مكَّة المكرَّمة، قلب العالم الإسلاميِّ، وأقدس بقاع الأرض، وآخرها مقذوف (وادي المغمس) في مشعر عرفات، في استفزازٍ لمشاعر المسلمِين، واللهُ -سبحانه وتعالى- يقولُ: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). بل لحق الظلمُ استهداف إحدَى محطَّات توليد الكهرباء في المدينة المنوَّرة، في حين حرَّم اللهُ تعالى حتَّى رفع الصوتِ عند مقام النبوَّةِ، حيث قالَ تعَالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ)، فكيف بمقذوفٍ يُفجِّر ويصم الآذان، وذلك يدلُّ على تحدٍّ صارخٍ لهيبة قبرِ رسولِ الله، وساكنِه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-. إنَّ تحرُّك السعوديَّة العسكري لم يأتِ فجأةً، ولكن بعد صبرٍ طويلٍ، ومحاولات متكرِّرة لرأب الصَّدع بين الأخوة في اليمن، امتثالًا لقولِهِ تعَالَى: (وإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، ولكن المليشيا الحوثيَّة تأبي إلَّا البغي والعدوان. يقول تعَالَى: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ). إنَّ وقوف المملكة ليس فقط مع اليمن، بل مع كافَّة الأخوة الأشقاء في الخليج، التي يربطها بهم رباط الدَّم، والأخوَّة، والدِّين، واللُّغة، والتَّاريخ، وليست حرب الكويت، وأحداث البحرين ببعيدة. هذا التحرُّك السعوديُّ الآن، هو ضرورةٌ لحفظ أمن المنطقة، فليس باب المندب فقط هو المتأثِّر بالحرب، ولكن أيضًا قناة السويس، وطرق الملاحة في البحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط، وتضرر كافَّة الدول المشاطئة اقتصاديًّا واجتماعيًّا. وهو ما دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أنْ يطلبَ من البرلمان المصريِّ تفويضًا؛ لكي يقفَ الجيشُ المصريُّ بجانب السعوديَّة إذا طُلِب منه ذلك، انطلاقًا من مفهوم الأمن القوميِّ العربيِّ المشترك. وهذا الإجراء بالإضافة إلى اتفاقيَّة مكَّة، سيكون له أكبر الأثر في الرَّدع، والتأكيد على أنَّ أمن الخليج هو نواة الأمن في المنطقة كلها. وقد وحَّدت وزارة الشؤون الإسلاميَّة في الكويت خطبة الجُمعة 5/ 5/ 1448هـ في جميع المساجد، والتأكيد على وقوف الكويت إلى جانب السعوديَّة للدور المحوريِّ الذي قامت وتقوم به في المنطقة، واعتبار ميلشيا الحوثي جماعة ارهابيَّة متطرِّفة لا تقلُّ إجرامًا عن داعش والقاعدة. يعيش اليمنُ واقعًا مؤلمًا، من تردٍّ في البنية التحتيَّة، وتدهور كافة المرافق، فهي على شفير انهيار كامل، فلا تعليم، ولا صحَّة، ولا بنى تحتيَّة، ويعيش معظمُ السكَّان تحت خط الفقر، حيث تتجاوز نسبة الفقر85% وفقًا لتقارير الأمم المتحدة في البرنامج الإنمائيِّ، ولولا الدعم السعودي الذي يبلغ المليارات من الدولارات، وكذلك دعم مركز الملك سلمان للإغاثة الذي قدَّم أكثر المساعدات الإنسانيَّة والتنمويَّة، تجاوزت قيمتها ٢٨ مليار دولار، لمات الشعب جوعًا ومرضًا، غير تكلفة الحرب الباهظة. هناك دول إقليميَّة تدعم الصراع، ولها أطماع في المنطقة، وأُخرى تسعى لفوضى خلَّاقة بأحلام شرق أوسطيٍّ جديدٍ.. وهي أحلامٌ خبيثةٌ لا تزيد المنطقة إلَّا خرابًاَ وهدمًا، وهذا لن تقبل به السعوديَّة الأبيَّة. فهل يعود الباغون إلى رشدهم، ويسلمون البلاد للسلطات الشرعية، ويجلسون على طاولة المفاوضات من أجل المصالحة الوطنية؛ لتعود اليمن سعيدة بعد سنوات من الحزن والعذاب؟.