في المدن الكبرى، لا تُقاس جودةُ الحياة باتِّساع الشوارع وحده، بل بقدرة النَّاس على الوصول إلى وجهاتِهم بأمانٍ، ووقتٍ معقولٍ. فالازدحامُ المروريُّ ليس قدرًا محتومًا تفرضه كثرةُ السكَّان والسيَّارات؛ إذ تستطيعُ المدن، بالتَّخطيط المتكامل، والإدارة الفاعلة، أنْ تحوَّل الحركة اليوميَّة، من مشهدٍ للفوضى والانتظار، إلى منظومةٍ أكثرَ انسيابًا وانتظامًا. وتقدِّم التجربةُ الصينيَّةُ -بما تشهدُه مدنُها من كثافةٍ سكانيَّةٍ وحركةِ نقلٍ واسعةٍ- مجالًا للتأمُّل في أهميَّة تنظيم المرور، بوصفه عملًا مؤسَّسيًّا متكاملًا، لا مجرَّد إشاراتٍ ضوئيَّةٍ، ورجالِ مرورٍ.
وعلى الرغم من أنَّ الصين من أكبر دول العالم من حيث عدد المركبات، فإنَّ الحدَّ من الاختناقات المروريَّة في بعض مدنِها يرتبطُ بمجموعةٍ من السياسات، والإجراءات التنظيميَّة والتخطيطيَّة، من أبرزها:
- المواءمة بين أعداد المركبات، وسعة الطرق: تنظيم تسجيل المركبات، أو استخدامها بما يراعي الطَّاقة الاستيعابيَّة لشبكة الطرق، وفق السِّياسات المعمول بها في كلِّ مدينة.
- تصميم الطُّرق بانسيابيَّة: تخطيط الشوارع بحيث تتكامل مع طرق الخدمة والتقاطعات، وتقلُّ نقاط التعارض والاختناق، بما يساعدُ على انسياب الحركة.
- تنظيم دخول الشاحنات: تحديد مساراتٍ وأوقاتٍ معيَّنةٍ لدخول الشاحنات إلى المُدن؛ للحدِّ من تعارض حركتها مع حركة المركبات الأُخرى في أوقاتِ الذروةِ.
- تكامل وسائل النقل: ربط الطُّرق، والجسور، والقطارات، والحافلات، ومسارات المشاة ضمن شبكة متكاملة، تتيح للسكَّان خياراتٍ متعدِّدةً للتنقُّل، وتخفِّف الاعتماد على السيَّارات الخاصَّة.
- التعامل السريع مع الحوادث: اعتماد إجراءاتٍ واضحةٍ لتأمين موقع الحادث، وإفساح الطريق للحركة بأسرع ما تسمحُ به متطلَّبات السَّلامة والأنظمة، مع توثيق الحادث، ومعالجة الخلافات دون تعطيل المسارات بلا ضرورة.
- توفير مواقف كافية بعيدًا عن مسارات الحركة: مراعاة مواقع المباني والمجمَّعات التجاريَّة ومداخلها ومخارجها عند التخطيط العمرانيِّ، وتوفير مواقف تستوعبُ الطَّلب المتوقَّع، حتى لا تمتدَّ طوابيرُ المركباتِ إلى الطُّرق الرئيسة.
- التخطيط الدقيق للمسارات والاتجاهات: وضوح المسارات والاتجاهات، وتوزيع الحركة على نحو مدروس، والاستفادة من التقنيات المروريَّة في رصد الكثافة، وتوجيه المركبات.
- إدارة حضريَّة متكاملة: تنسيق أعمال الجهات المسؤولة عن تراخيص المركبات، والطُّرق، والنَّقل، والإشارات الضوئيَّة، والمواقف، والمُرور، والمشروعات الاستثماريَّة؛ بحيث تعمل ضمن رُؤية مشتركة، وتتوزَّع المسؤوليَّات بوضوحٍ.
إنَّ الطريق المنظّم لا تصنعه الإسفلتات والجسور وحدها، بل تصنعه رؤية تجمع التخطيط بالتنفيذ، والتقنية بالمسؤولية، وتكامل الجهات باحترام مستخدمي الطريق. والدرس الأهم أنَّ معالجة الازدحام تبدأُ قبل أنْ تصل السيَّارة إلى الشارع: في التخطيط للمدينة، وتوزيع الخدمات، وتطوير النَّقل العام، وتطبيق الأنظمة بعدالةٍ. فحين تُدَار الحركة بعقلٍ واحدٍ، وتعمل المؤسَّساتُ بروحِ الفريقِ، يصبحُ الطريقُ أكثرَ أمانًا، والوقتُ أقلَّ هدرًا، والمدينةُ أقدرَ على منح سكَّانها حياةًً أكثرَ راحةً وانسيابيَّةً.