في تقريره عن مستقبل القدرة التنافسية الأوروبية، حذّر «ماريو دراغي»، الرئيس الأسبق للبنك المركزي الأوروبي، من التحديات المتزايدة التي تواجه اقتصادات القارة، في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة، وصعود قوى اقتصادية جديدة، واشتداد المنافسة الدولية في مجالات الصناعة والطاقة والابتكار. ورغم ما تمتلكه أوروبا من إمكانات اقتصادية وعلمية وتاريخ صناعي عريق، فإن المحافظة على مكانتها لم تعد أمرًا مضمونًا دون مراجعة مستمرة لأولوياتها ومصادر تفوقها.
وإذا كانت اقتصادات متقدمة بحجم الاقتصادات الأوروبية تواجه مثل هذه التحديات، فإن ذلك يطرح سؤالًا أوسع حول قدرة الدول على المحافظة على مكانتها وتأثيرها في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة غير مسبوقة.
وهذا السؤال في رأيي، لا يقتصر على المجالات الاقتصادية والصناعية، بل يمتد أيضًا إلى القوة الناعمة والدبلوماسية العامة، حيث تتنافس الدول على جذب اهتمام الشعوب، وكسب ثقتها، وبناء علاقات طويلة المدى معها.
في مقالٍ سابق لي بعنوان: «اللاعب الموهوب.. واللاعب المصنوع»، فرّقت بين مصادر القوة الناعمة الأصلية، التي تمتلكها الدول بحكم تاريخها وجغرافيتها وثقافتها وخصائصها البشرية، والمصادر المصنوعة التي تنشأ نتيجة التخطيط والاستثمار، كالتميز الرياضي والفني والثقافي. وخلصت إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون لتطوير المصادر الأصلية، باعتبارها أكثر ارتباطًا بهوية الدولة وخصوصيتها، مع صناعة مصادر إضافية تتكامل معها.
لكن التحولات التي يشهدها العالم اليوم تدفعنا إلى إضافة بُعد آخر لهذه المعادلة، يتعلق بالقدرة التنافسية لمصادر القوة الناعمة، ومدى استدامة تأثيرها، مقارنة بحجم الموارد والجهود المطلوبة لتطويرها والمحافظة عليها.
فليس كل مصدر للقوة الناعمة يمتلك بالضرورة القدرة نفسها على المنافسة الدولية، كما أن امتلاك المقومات أو القدرة على الاستثمار في صناعتها لا يعني تلقائيًا تحقيق التأثير المنشود. فقد تتميز بعض المصادر بخصوصية يصعب على الدول الأخرى محاكاتها، بينما تواجه مصادر أخرى منافسة شديدة تتطلب استثمارات متواصلة للمحافظة على جاذبيتها.. ناهيك عن حساسية بعض المصادر أكثر من سواها للظروف الجيوسياسية للمنطقة.
وتمتلك المملكة، ولله الحمد، رصيدًا استثنائيًا من مصادر القوة الناعمة الأصلية، تتقدمها مكانتها الدينية، وعمقها التاريخي والحضاري، وتنوعها الثقافي والجغرافي، إلى جانب ما شهدته السنوات الأخيرة من تطور ملحوظ في مجالات الثقافة والسياحة والتعليم وغيرها، مما يتيح فرصًا واسعة لتعزيز حضورها وتأثيرها الدولي.
غير أن التوسع في هذه المجالات ينبغي أن يصاحبه تقييم مستمر للخيارات والأولويات، ليس فقط من حيث حجم الحضور والانتشار، وإنما من حيث التأثير الإيجابي الفعلي في الجماهير الخارجية، والقدرة على المنافسة والاستدامة. وقد تكشف التجربة أن بعض الأنشطة - الأقل أولوية- تحقق تأثيرًا يفوق ما يُبذل فيها من موارد، بينما تواجه أنشطة أخرى عالية التكلفة، منافسة دولية شديدة، أو تتطلب استثمارات متزايدة لا تتناسب بالضرورة مع العائد المتوقع منها. وفي مثل هذه الحالات، تصبح مراجعة الأولويات وإعادة توجيه الجهود والموارد نحو المجالات الأكثر تأثيرًا وتميزًا واستدامة؛ خيارًا إستراتيجيًا تفرضه المتغيرات، وليس تراجعًا عن الطموحات.
وهنا يبرز دور الدبلوماسية العامة، الذي لا ينبغي أن يقتصر على إبراز ما تمتلكه الدولة من مقومات وإنجازات، بل يمتد إلى حسن توظيفها، والإنصات للجماهير الخارجية، وبناء العلاقات معها، وقياس ما يتحقق من نتائج على مستوى الثقة والتفاهم والتأثير. ولا يعني ذلك إخضاع القوة الناعمة لمعايير الجدوى الاقتصادية المباشرة، فبعض أهم عوائدها لا يمكن قياسه بالأرقام المالية، كما أن لبعض الاستثمارات أهدافًا اقتصادية واجتماعية تتجاوز تأثيرها في الدبلوماسية العامة.
ولعل التحدي الأهم أمام دبلوماسيتنا العامة في المرحلة المقبلة لا يتمثل في إضافة المزيد من مصادر القوة الناعمة، بقدر ما يتمثل في تعظيم تأثير ما نمتلكه منها، والقدرة على مراجعة الأولويات وأساليب الاستثمار فيها وفقًا لما تكشفه النتائج والمتغيرات الدولية.
ففي عالم تتغيّر فيه مصادر القوة والنفوذ باستمرار، قد تصبح القدرة على حسن اختيار الأولويات وإعادة ترتيبها إحدى أهم مقومات القوة ذاتها.