منتدى

حين ينتصر الجدلُ وتخسر الحُجَّةُ

أنغام السقاف 08 نوفمبر 2026 11:23 3 دقائق قراءة
قد يخرجُ أحدُهم من نقاشٍ منتشيًا بالتَّصفيق، بينما ينسحبُ الآخرُ مثقلًا بالصَّمت، فيظنُّ الحاضرُون أنَّ الحقيقة قد حُسمت. لكن هل انتصرت الفكرةُ، أم انتصر صاحبُها في إدارة المواجهة؟ وهل كان الصَّامتُ عاجزًا عن الدِّفاع عن موقفه، أم لم يُحسِن التَّعبير عنه؟
في زمن أصبحت فيه العبارةُ الحادَّةُ أسرعَ انتشارًا من الفكرةِ العميقةِ، بات من السَّهل الخلط بين إسكات الخصم، وتفنيد حجَّته، وبين القدرة على الإقناع، وامتلاك الحقيقة. فليس كلُّ مَن أحرج محاورَه أثبت خطأه، ولا كلًّ مَن تعثَّر في الردِّ افتقر إلى الدَّليل.
قد يمتلك الإنسان معرفةً راسخةً، وحُجَّةً تسندُها الوقائعُ، لكنَّه يعجزُ عن ترتيب أفكاره تحت ضغط المواجهة، أو تخونُه المفرداتُ حين يحتاج إليها. وفي المقابل، قد يتمتَّع آخرُ بطلاقة اللِّسان، وسرعة البديهة، فيبدُو أكثر إقناعًا وإنْ كانت حُجَّته أقلَّ تماسكًا. وهنا تكمنُ المفارقة: قد نصدِّقُ مَن أحسنَ الكلامَ، ونشكِّكُ فيمَن أحسنَ التفكيرَ؛ لأنَّ الأوَّل أجادَ العرضَ، والثَّاني أخفقَ فيه.
لكنَّ تعثُّر المتحدِّث لا يثبتُ صوابه، كما أنَّ براعته لا تنفيه. المعيارُ ليس فصاحة الشَّخص أو تردُّده، بل سلامة الفكرة، وما يسندُها من دليلٍ.
وليس الجدلُ نقيضًا للحقيقة؛ فقد يكون سبيلًا إليها، حين يقوم على الإنصاف. لكنَّه يتحوَّل إلى استعراض حين يصبح الهدفُ إحراج الآخر، وكسب الجمهور، لا فهم الرَّأي والوصول إلى الصَّواب.
وفي المشهد الاتصاليِّ المُعاصر، تتجلَّى هذه المشكلة في المقاطع المقتطعة، والعناوين التي تحتفي بمَن «أفحمَ»، و«أسكتَ»، و«سحقَ»، وكأنَّ سرعة الردِّ تحسمُ صحَّة الرَّأي.
عندها قد يتحوَّل الجمهورُ من مُقيِّم للحُجَجِ إلى جمهورِ مدرجاتٍ؛ يكافئ سرعة الضَّربة، لا دقَّة الإصابةِ.
وفي علم النَّفس، يفسِّر «تأثير الهالة» (Halo Effect) جانبًا من هذا الخلط؛ فقد ننقلُ إعجابنا بطلاقةِ المتحدِّث وثقته، إلى حُكمٍ إيجابيٍّ على معرفته، وصوابِ رأيهِ، من غير أنْ نفحصَ أدلَّته. وهكذا يتحوَّل الأسلوبُ -من حيث لا نشعرُ- إلى قرينةٍ على صحَّة المضمون، وإنْ لم يكنْ كذلك.
ولا يقفُ أثر هذا الانبهار عند الحُكم على الآراء، فقد يمتدُّ إلى تقييم الأشخاص، ومنحهم الثقة والمسؤوليَّة. فالكاريزما، وقوَّة الخِطاب قد تصنعَانِ انطباعًا بالكفاءةِ، وتفتحَانِ أحيانًا أبوابَ القيادةِ قبل اختبار الخبرة والقدرة على الإنجاز. وفي المقابل، قد تُغفل كفاءات حقيقيَّة؛ لأنَّ أصحابَها أقلُّ براعة في عرض أفكارهم. وهنا تتجاوز خسارة الحُجَّة حدود النِّقاش، إلى خسارة الفرص، حين يصبح إتقانُ الحديثِ عن القدرة أهمَّ من إثباتها.
وليس المقصود الانتقاص من البلاغة، ولا اعتبار التعثُّر دليلًا على الصَّواب؛ فالحقُّ يحتاجُ إلى بيانٍ، وحُسن التَّعبير يعينُ على توضيح الحُجَّة، لكنَّه لا يعفيها من الفحص. كما أنَّ ضعف التَّعبير لا يبرِّرُ إقصاء فكرةٍ قبل فهمها. والإنصافُ مسؤوليَّة المستمعِ أيضًا؛ فلا يُشترط في صاحب الرَّأي أنْ يكون خطيبًا مفوَّهًا حتى يستحقَّ الإصغاء.
فلنمنح المتردِّد فرصةً لإتمام فكرته، ولنراجع إعجابنا بالردِّ اللَّامع قبل أنْ نعدَّه حقيقةً. وإذا اختلف اثنَان، فلنسأل: ما الدَّليل؟ وهل أُجيب عن أصل الاعتراض، أم صُرفت الأنظارُ عنه؟
أحيانًا لا تُهزم الحُجَّة بحُجَّةٍ أقوى، بل بعبارةٍ أبلغَ. وفي المرَّة المقبلة التي ينتهي فيها نقاشٌ بتصفيقٍ لأحد الطَّرفين، وصمت الآخر، فلنسأل أنفسنا: هل اقتنعنا لأنَّ الحُجَّة أقوى، أم لأنَّ صاحبها أبلغ؟ وهل أنصفنا مَن تعثَّرت عبارتُه، أم حكمنا على فكرتهِ من طريقةِ عرضِها؟
فالحقيقةُ لا تُقَاس ببلاغةِ مَن ينطق بها، ولا تسقط لأنَّ صاحبها لم يجد الكلمات التي تستحقهَا.

أخبار ذات صلة