صحيفة المدينة
منتدى

حين ينزف العطاء.. بين نُبل الرسالة وغياب الأمان

حين ينزف العطاء.. بين نُبل الرسالة وغياب الأمان
سلوى الهندي
دقيقتان قراءة
ليست كلُّ الأيادي التي تمتدُّ لتُضيءَ عتمة الآخرين تعود محمَّلةً بالنور، ولا كلُّ القلوب التي تُبحرُ نحو شواطئ الرَّحمة تنجُو من عواصف الطريق؛ فخلف البياض الذي يرتديه العطاءُ ثمَّة أوجاع صامتة، وحكايات لم تُروَ، وأرواح دفعت من سلامتها ثمنًا لنواياها النبيلة.
فالعملُ التطوعيُّ، وإن كان من أسمى تجلِّيات الإنسانيَّة، ليس ميدانًا تُختبر فيه قدرة الإنسان على احتمال الخطر، ولا تضحيةً مفتوحة تُستباح فيها سلامته باسم الخير، وحين تغيب الحماية، وتُهمل الحقوق، وتتحوَّل الساعات التطوعيَّة إلى أرقام تتباهى بها السجلَّات والمنصَّات، قد يصبح الطريقُ إلى إسعاد الآخرين طريقًا محفوفًا بالوجع والأنين.
عشتُ العملَ التطوعيَّ رسالةً تسكن وجداني قبل أنْ يكون مسؤوليَّةً أحملها، وآمنتُ بأنَّ العطاء ليس مجرَّد يدٍ تمتدُّ للمساعدة، بل روح تُنصتُ لوجع الآخرين، وقلب يجد سعادته في تضميد جراحهم. كنتُ أرى في عيونِ المتطوِّعين وطنًا من الرَّحمة، وفي خطواتهم حكايات من النُّبل، وفي كل ابتسامة نرسمها على وجه محتاج انتصارًا صغيرًا للإنسانيَّة.
غير أنَّ التجارب وسنوات الخبرة علَّمتني أنَّ النوايا البيضاء وحدها لا تكفي لحماية أصحابها، وأنَّ الحماس، مهما بلغ صدقه، لا يُغني عن الوعي والتأهيل والوقاية، ففي ميادين العطاء، قد يقف متطوِّع تحت شمس لاهبة ساعاتٍ طويلة، أو يدخل بيئةً موبوءة دون وقاية كافية، أو يحمل فوق طاقته أعباءً جسديَّة ونفسيَّة، أو يواجه مخاطر تتوارى خلف رداء حملة تطوعيَّة، ثم يعود بصمتٍ، يحمل إرهاقًا لا تراهُ عدسات التكريم. وربما كان أشد ما يؤلمه أنْ يُحتفى بما قدَّمه، بينما يُغفل ما تحمَّله من أنين أوجعه.
وهنا ينهض السؤالُ المؤلمُ: مَن يحمي أولئك الذين اختاروا مساعدة الآخرين؟
إنَّ حماية وسلامة المتطوِّع ليست ترفًا تنظيميًّا، بل أمانة أخلاقيَّة ومسؤوليَّة إنسانيَّة تبدأ بالتأهيل وتقييم المخاطر، وتمتد إلى توفير بيئة آمنة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة.
لقد أدركتُ أنَّ أعظم إنجاز في قيادة العمل التطوعيِّ ليس كثرة الفرص، ولا وفرة الساعات، بل أنْ يعود كلُّ متطوِّع إلى أسرته سالمًا، يحمل أثر عطائه، لا ندوب تضحيته.
فالمتطوِّعُ ليس رقمًا يُضاف إلى سجلَّات الإنجاز، بل إنسان له أحلام تنتظره، وقلوب تخشى غيابه، ولن يكون العطاءُ عظيمًا ما لم تكن سلامة أصحابِه أعظم، ولن تكتمل إنسانيَّة رسالة العمل التطوعيِّ ما لم نصن المتطوِّع الذي يحملها. فما قيمة الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين، إنْ تركنا في أرواح صانعيه جراحًا لا تندملُ؟
فأنا مَن يحمل مشعلًا من نور، يُضيءُ دروب العطاء، ويصونُ وهجه رياح الخطر؛ ليظل التطوُّع جسرًا تعبر عليه الرَّحمةُ إلى الإنسان، لا طريقًا تنطفئ فيه مشاعلُ النجاةِ.
المزيد من القسم