ما نحتاجه منذ عشرات السنين هو إقامة عدد من المعاهد التي تنمّي الإحساس السمعي وترقىَ بالذوق الموسيقي عند الراغبين، وهم في أعداد متنامية، وذلك باشتمال أيامنا الدراسية في المعاهد والمدارس على أجزاء من البرامج الإنشادية الموسيقية، سماعاً وأداءً.
فمن الواضح أهمية وقيمة الموسيقى وفوائدها النفسية والصحية والتراثية والحضارية والثقافية.. وكذلك في بث أوجه الحبور الاجتماعي، فالموسيقى هي لون من ألوان التعبير الإنساني، قد يتم التعبير فيها وبها عن خلجات القلب المتألم الحزين، وكذلك عن النفس المرحة المرتاحة.
وفي الموسيقى قد يأتي المرء على جملة من الانفعالات التي فيها ما فيها من الرموز التعبيرية المتناسقة، في مقاطع معزوفة يحس بها مُرهفُ الحس أو من كان «ذوّاقة» ينفعل ويتفاعل سماعياً ووجدانياً وفكرياً، فيحس بها إحساساً عميقاً وينفعل بها انفعالاً متجاوباً، مِثله مثل أي من الكائنات الحية، فالموسيقى -وخصوصاً تلك الراقية- تسهمُ في إراحة النفس وفي علو الروح وسمُوِّها.
ولكن الموسيقى ليست مجرد أنغام، بل هي وسيلة «للتواصل»، لالتقاء الذهن والروح عند الشخص الواحد؛ وهي أيضاً وسيلةٌ فاعلة اجتماعية وتربوية، تسهم في عمليات التفاهم، وفي تنمية الحس الشخصي؛ وتعمل على إدخال البهجة على النفوس و-بعامة- في تجميل العالم من حولنا.. كما وتسهم الموسيقى إسهاماً فعالاً ومباشراً في تبادل التآخي الثقافي الحضاري؛ وتوثيق الصلات وتقوية عُرى الصداقة والمودة، وتسهيل التعاون والتقارب بين الناس على المستوى المحلي في البلد الواحد؛ وبين مختلف الشعوب على مستوى الكون.
وكما في الموسيقى والغناء، فهناك الحركات المُموسقة المعتمدة عليها، وهذا يعني ويشمل الأداءات الاستعراضية والحركات البدنية من الرقصات بأنواعها، الجماعية والشعبية والكلاسيكية والفردية.. فبالرقصات تكتمل وتتماهى المعزوفات.
إن أداء الحركات المُموْسقة «الرقص بأنواعه».. هو أداء طبيعي وهو وسيلة للتعبير عند الإنسان في كل أرجاء المعمورة في مختلف الأوطان.. التقليدية منها والحديثة؛ وما رقصة «العـَرضة» في شبه الجزيرة العربية إلا مثالٌ حي ومستمرٌ عبر حقب الأزمان، في الهضاب والبراري والسفوح والوديان. و»العـَرْضة» تقليد موسيقي يؤدى في مناطق عدة في المملكة.. عدا الحجاز وعسير إذ تتوافر أنواع من الرقصات المحلية الفلكلورية في كل منهما، ثم هناك العديد من الرقصات في منطقة الخليج، مثل موسيقى ورقصة «الّلـّيوة»، وموسيقى ورقصة «الطنبورة»، وكلتاهما جاءت إلى الخليج من الساحل الأفريقي الشرقي.
وكما في المدن والقرى على ساحل الذهب الأسود الخليج، فإن لمدن المناطق الأخرى أيضاً أداءاتها الاستعراضية المُموسقة، بما يشمل قرى تهامة وجبال الحجاز، برقصاتها الشعبية المميزة المتعددة، ففي مدن الحجاز، مثل مكة المكرمة و»عروس البحر» جدة، كانت ولا تزال رقصة «المِزمار» تؤدَى تقليدياً في الحارات، في مختلف المناسبات.
فبالموسيقى وبالغناء تنتعش النفوس وتسمو الأرواح، وخصوصاً حينما يتم الجمع بين الغناء الجميل والموسيقى الرخيمة والأبيات الشعرية الجميلة، والحنجرة الصادحة الندية، فيأتي»الكورال» بالأغنية والنشيد، رائعَ اللحن شجيَّ النغمات، فتهتز معه الأسماع وتطرب له النفوس لحناً ومعنى. فما الإنسانُ وما الأنْسَنة.. وما «الأنسُ» إلا رفاق في دروب عشق الحياة.
فالمقترح هنا هو تعميم إقامة معاهد وطنية ومناطقية ومحلية للنهوض بالموسيقى وتشجيع مختلف قطاعات المجتمع للتضافر في هذا المجهود.. سعياً إلى تنمية الحس المرهف عند الناس.. كأفراد من ناحية.. وإلى إعادة إحياء شيء من التراث الوطني الموسيقي.. الفلكلوري منه والمخضرم والكلاسيكي.. وذلك بالتناغم مع التراث الموسيقي العالمي من ناحية.. وما يتصل بخصائص وتراث العطاء الفني السمعي في كل منطقة بحسب إمكاناتها واستعداداتها.