كلَّما مرَّت المنطقةُ بظروف استثنائيَّة، عاد الحديثُ عن مسؤوليَّة البنوك، وكبار التجَّار تجاه المجتمع، وهو حديثٌ قديمٌ لم تبدأه (الأحداثُ الحاليَّة) فقد طُرح على مدى سنوات، وتردَّد مع أزمات مختلفة، ثمَّ تراجع بانتهاء الظروف التي أعادته إلى الواجهة.
ولا أعتقدُ أنَّ المسألة تتعلَّق بمطالبة المؤسَّسات الماليَّة والتجاريَّة بالتخلِّي عن مصالحها، فهذه مؤسَّسات لها التزاماتُها وحساباتُها، والاقتصادُ القويُّ يحتاجُ إلى بنوكٍ ناجحةٍ، وتجارةٍ مستقرَّةٍ، لكنَّ السؤال الذي يستحقُّ المناقشة هو: إلى أيِّ مدى يمكنُ أنْ تتَّسع هذه الحساباتُ لتشمل الظروف الاجتماعيَّة للنَّاس؟
نحنُ في المملكة -وللهِ الحمدُ-، ننعمُ بأمنٍ واستقرارٍ ووفرةٍ في الفرص، وسط منطقةٍ تشهد تحوُّلات سياسيَّة وأمنيَّة واقتصاديَّة متلاحقة، والجميعُ يقفُ خلف قيادتِهِ ووطنِهِ، ولكلِّ مواطنٍ دوره ومسؤوليًّته، من العسكريِّ الذي يؤدِّي واجبه في الميدان، إلى الطبيبِ والمهندسِ والموظَّفِ والعاملِ، وصولًا إلى أصحابِ المالِ والأعمالِ.
ولعلَّ من المناسب أنْ نسأل عن طبيعة الدَّور الذي يمكنُ أنْ تؤدِّيه المؤسَّساتُ الماليَّةُ والتجاريَّةُ في مثل هذه الظروف، خاصَّةً أنَّها كانت من أكثر القطاعات استفادةً من البيئة الاقتصاديَّة المستقرَّة التي وفَّرتها الدولةُ، وما صاحبها من تشريعاتٍ ومشروعاتٍ وفرصٍ للنموِّ والتوسُّعِ.
خذُوا البنوك -على سبيل المثال- هناك آلافُ الأُسر التي ترتبطُ دخولُها الشهريَّة بالتزاماتٍ ماليَّةٍ متفاوتةٍ، بين قروضٍ عقاريَّةٍ وشخصيَّةٍ، وأقساطٍ استهلاكيَّةٍ، وهناك العسكريُّ، والموظَّفُ، والمُتقاعدُ، وأصحابُ الدُّخول المحدودة، ومَن يحمل مسؤوليَّة إعالةِ أسرةٍ كبيرةٍ، بعضُ هؤلاء يعيشُ باستقرارٍ ماليٍّ، وبعضهم يواجه صعوبةً حقيقيَّة في الموازنةِ بين متطلَّبات المعيشة والالتزامات المتراكمةِ.
ولستُ هنا بصدد المطالبة بإسقاط القروض عن الجميع، أو تحميل البنوكِ مسؤوليَّة قراراتِ الاقتراض الفرديَّة، فالمقترضُ مسؤولٌ عن التزاماتِهِ، والبنكُ له حقوقُه، وهناك أنظمة تحكمُ العلاقة بين الطَّرفين، غير أنَّ وجود هذه الحقوق لا يمنعُ من مراجعة بعض الإجراءات، والنَّظر في الحالات التي تستحقُّ المعالجة، خصوصًا في الظروف غير المعتادة... فهل يصعبُ على البنوك، بما لديها من إمكاناتٍ وخبراتٍ، أنْ تقدِّم برامج أكثر مرونة لإعادة الجدولة، أو تأجيل بعض الأقساط دون تحميل المستفيد أعباءً إضافيَّةً، وفق ضوابط واضحة تراعي ظروف المستحقِّين؟
قد تكون لهذه المبادرات تكلفةٌ ماليَّةٌ، وهذا أمرٌ مفهومٌ، لكن ليس كلُّ ما تتنازل عنه مؤسَّسة في حساباتها يمثِّل خسارةً في قيمته الحقيقيَّة، فهناك مكاسب ترتبط بثقةِ النَّاس، واستقرار الأُسر واستمرار قدرتها على الوفاء بالتزاماتِها.
أمَّا كبارُ التجَّار، فإنَّ مسؤوليَّتهم لا تقلُّ أهميَّةً، خاصَّة في القطاعات المرتبطة باحتياجات النَّاس اليوميَّة، ومن حق التاجر أنْ يربح، ومن حقِّ المستهلك أنْ يجد سعرًا عادلًا، وبين الحقَّين مساحة واسعة للمبادرات التي تخفِّف المصروفاتِ، وتحافظُ على استقرارِ الأسواق، بعيدًا عن استثمار الظروف في زيادة الأعباء.
ولا يصحُّ أنْ نغفل ما تقدِّمه بعضُ المؤسَّسات، ورجال الأعمال من أعمال اجتماعيَّة، ومبادرات وطنيَّة تستحق التقدير، لكن المسؤوليَّة التي نتحدَّث عنها أوسع من التبرُّعات الموسميَّة، وأقرب إلى مراجعة السياسات والممارسات التي تمسُّ حياة النَّاس بصورة مباشرة.
وأعتقدُ أنَّ مناقشة هذه القضيَّة يجبُ ألَّا تقتصر على أوقات الأزمات، فالمسؤولية الاجتماعية ليست إجراءً مؤقتًا تفرضه الظروف، وإنَّما التزام مستمر يقوم على إدراك العلاقة بين نجاح المؤسسات، واستقرار المجتمع الذي تعمل فيه.
لقد قدَّمت الدولةُ الكثير من أجل بناء اقتصادٍ قويٍّ، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار والعمل، وكان القطاع الخاص شريكًا في مسيرة التنمية، ومن الطبيعي أنْ يكون لهذا النجاح الاقتصادي نصيبٌ ملموسٌ في حياة النَّاس، خاصَّة أولئك الذين يواجهُون ضغوطًا ماليَّةً تتجاوز قدراتِهم.
* نقطة تحت السطر:
قد لا يحتاجُ المواطنُ من البنكِ، أو التَّاجرِ إلى حديثٍ طويلٍ عن المسؤوليَّة الوطنيَّة، بقدرِ حاجتهِ إلى قرارٍ يشعرُ بأثرِهِ في ميزانيَّةِ أسرتِهِ، فالمسؤوليَّة التي تصلُ إلى حياةِ النَّاس، أبلغُ من تلك التي تبقى في التقاريرِ والبياناتِ.