من النافذة، لا أنظرُ إلى ما يحدثُ حولنا اليوم فحسب، بل أعودُ -أحيانًا- إلى الوراء، إلى ذكرياتٍ ظنَّنَا أنَّها أصبحت جزءًا من زمنٍ مضى، فإذا بها تعودُ إلينا محمَّلةً بأسئلةٍ جديدةٍ. وهذه المرَّة، سأصحبكُم معي في رحلةٍ إلى التسعينيات، إلى مسلسل أسترالي أعدت مشاهدته مؤخراً، اسمه «فتاة من الغد»، لأكتشف أن بعض ما شاهدناه آنذاك لم يعد مجرد خيال، بل أصبح قريباً من تفاصيل حياتنا اليومية.
هل كان كاتب المسلسل يرى المستقبل بعين مختلفة عن أعيننا؟ أم أنَّ عبقريَّة الخيال تكمن في قدرته على استباق الزَّمن، ورسم ملامح عالم لم يصل إليه النَّاسُ بعد؟
تدور أحداث المسلسل حول ألانا، الفتاة القادمة من المستقبل، التي تجد نفسها في الماضي، حاملةً معها أدوات وتقنيات بدت لنا في ذلك الوقت بعيدة المنال. وما زلتُ أتذكَّر ذلك السوار الذي كانت تضعهُ في معصمها، وتستخدمه للتواصل مع شخصٍ من عالمٍ آخرَ. يومها، كانت الفكرة تبدُو أشبه بالسِّحر، أداة صغيرة في اليد تتيحُ الاتِّصال والتَّفاعل، في زمنٍ لم تكن فيه هذه التقنيات جزءًا من حياتنا كما هي اليوم.
وعندما أعدتُ مشاهدة المسلسل، وجدتُ نفسي أتوقَّفُ عند تلك التفاصيل التي مررنَا عليها سابقًا بدهشةِ المشاهد، بينما ننظر إليها اليوم بعينٍ مختلفةٍ. فالسَّاعاتُ الذكيَّة التي نرتديها، والأجهزة التي تتيح لنا التواصل والوصول إلى المعلومات، تجعلنا نستعيدُ صورة سوار ألانا، ونتساءل: كيف استطاعَ الكاتبُ أنْ يتخيَّل عالمًا يشبهُ بعض ملامح عالمنا الحالي؟
لعلَّ الإجابة تكمنُ في عبقريَّة الكاتب وقدرته على استشراف المستقبل، لا في معرفة الغيب، أو التنبؤ بكل ما سيحدث حرفيًّا. فالخيالُ العلميُّ حين يكون مبدعًا لا يكتفي بصناعة أحداثٍ مثيرةٍ، بل يفتح أمامنا احتمالاتٍ جديدةً، ويجعل ما يبدُو مستحيلًا اليوم، أمرًا قابلًا للتحقُّق غدًا.
والأجملُ أنَّ إعادة مشاهدة العمل بعد كل هذه السنوات، لم تكن مجرَّد استعادة لذكرياتٍ قديمةٍ، بل كانت رحلةً بين زمنَين: زمن كنَّا فيه نندهشُ من تلك الأدوات، وزمن أصبحت فيه التكنولوجيا تتجاوزُ كثيرًا ممَّا تخيَّلناه.
ومن نافذتِي هذا الأسبوع، أقولُ: ربَّما لا نملكُ آلةَ زمنٍ تُعيدنَا إلى الماضي، أو تكشفُ لنا تفاصيلَ الغد، لكنَّنا نملكُ ذاكرةً تُعيدنا إلى لحظاتٍ ظلَّت حيَّةً فينا، وتمنحنا فرصةً لاكتشافها من جديد.
ولهذا، أتمنَّى من المُنتجِين والمُخرجِين ألَّا يكتفُوا بتكرارِ الأفكار المألوفة، أو ملاحقة ما ينجحُ في اللَّحظة الرَّاهنة، بل أنْ يمنحُوا الخيالَ مساحةً أوسعَ، وأنْ يقدِّمُوا أعمالًا تحملُ رسالةً، حتَّى لو انطلقت من أفكار خياليَّةٍ، أو تبدو بعيدةً عن الواقع. فالأفكارُ الجديدةُ هي التي تصنعُ الأعمالَ التي تبقى، وتمنحُ الجمهورَ ما يتجاوزُ المتعة العابرة إلى التأمُّل والإلهام.
* من النافذة:
رسالتِي لصنَّاع الأفلامِ: لا تطاردُوا الترندَ، بلْ ابحثُوا عن قصصٍ غيرِ مألوفةٍ، وأفكارٍ مبتكرةٍ، تتركُ أثرًا في ذاكرةِ الجمهورِ.