هل تتذكَّر أوّل راتبٍ استلمته بعد تعيينك في الوظيفة؟
وهل خطر في بالك أنْ تُعلم والدَك ووالدتك بالرَّاتب؟
وهل خطَّطت أنْ يكون لكلِّ واحدٍ منهما نصيبٌ منه، لوعُشر الرَّاتب؟
هذه الأسئلة الثلاثة، إنْ تحقَّقت فعلًا في حياتك، فأنت على خيرٍ حتى لو كان الوالدَان غنيَّين، فإنَّ إشعارهما بأوَّل راتبٍ تستلمه، وأنَّه بين يديهما، فإنَّ لذلك وقعًا كبيرًا وإيجابيًّا على قلوبهما، وأنَّ الخطوة الثانية يرتِّب لكلِّ واحد منهما شيئًا منه، فعلًا فذلك سيُدخِل السرور على نفسيهما، حتى ولو من باب المجاملة؛ لأنَّ من الأكيد أنَّهما إنْ كانا ذوي وظيفة، أو وضعهما المادي جيدًا لن يقبلا منك أيَّ مبلغ، بل سيشكرانك، ويدعوان لك، وتكون أنت كسبت حبَّ قلبيهما وحقَّقت تقديرهما، مع التأكيد أنَّ الأب خاصَّة لن يرضى أنْ يأخذ شيئًا من راتبك، بل هو مَن سيدعمك ماليًّا في حياتك، لكن الذي سيجني المكسب هو أنت؛ لأنَّك بفعلك هذا تكون أدخلت السرور عليهما، وأشعرتهما برد الجميل، فكم من مبالغ صُرفت عليك خاصَّة من والدك، مع ضرورة أنْ يكون للأم نصيبٌ مفروضٌ من الرَّاتب؛ لأنَّها هي قد تكون الأكثر احتياجًا، وليس لديها راتب، خاصَّة إنْ كانت أرملةً، أو منفصلةً، أو ذات احتياج، وقد تكون غير موظَّفة، أمَّا اذا كانت من صاحبات الرَّواتب العالية، فإنّها ستكون مثل الوالد، أي لنْ تقبل منك أيَّ مخصَّصٍ شهريٍّ لها.
إنَّ بعض الآباء والأمَّهات لا يحتاجون لمخصَّص ماديٍّ أكثر من احتياجهم المعنويِّ والنفسيِّ، فالعطاءُ الماديُّ يكون جافًّا إن لم يكن مصحوبًا بالمباركة النفسيَّة والمعنويَّة من الأبناء والبنات، ومن يأخذ بخاطر والديه عطاءً ماديًّا، وعطاءً معنويًّا فإنّ البركة ستحل عليه من كل حدب وصوب، في المقابل هناك مَن يرفع من الوالدين على ابنه دعوى في المحكمة؛ كي يصرف عليه، أو عليها، فهذا يكون تعدى الخط الأحمر للمعنى الإنساني، ويوصف بأنَّه قاطع رحم، والويل -كل الويل- لقاطع الرّحم خاصَّة الدرجة الأُولى من الرَّحم (الأب والأم)، فمن العيب أنْ يحصل إنسان على صكٍّ من المحكمة يُجبر فيه أنْ يصرف على والديه، أو أحدهما! فما بالك أنْ يكون ذلك الإنسان مُسلمًا يقرأُ في كتابِ اللهِ (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).