كتاب

{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}

ما الرابطُ بين القول الطيِّب والصِّراط؟
وردَ في التَّفسير أنَّ هذه الآية الكريمة تشيرُ إلى القرآن الكريم، وقول لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وإِلَى المكان الذي يحمدُ فيه أهلُ الجنَّة ربَّهم -عزَّ وجلَّ- على ما أحسن إليهم، وأنعم به وأسداه إليهم، وقِيل هو الطَّريقُ المستقيمُ في الدنيا.

يأتي ذلك في سياق قرآنيٍّ في سورة الحجِّ، يعرضُ نعيم المؤمنِينَ في الآخرة، وما أعدَّه اللهُ لهم من جنَّات تجري من تحتها الأنهارُ، وأساور الذَّهب واللؤلؤ، ولباس الحرير. فحين تذكرُ الآياتُ النَّعيمَ الذي سيحصلُ عليه المؤمنُون في الجنَّة؛ ممَّا قد لا يكون بعضه، أو كله حاصلًا لهم في الدنيا، نستذكرُ من سماتِهم في حياتهم بأنَّهم هُدُوا إِلَى القَولِ الطَّيِّبِ أوَّلًا ثمَّ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ. وورودُ وصفِ «الحميد» بالذَّات يُشيرُ إلى مقام الحمدِ الذي يرتبطُ بالعمل الصَّالح، وشُكر النِّعم.
الطَّيِّبُ من القولِ بمعناهُ الأوسع، يشملُ كُلَّ كلامٍ حَسَنٍ، وليس فقط التَّسبيح والذِّكر والدَّعوة إلى الخير، بل يمتدُّ إلى كلِّ ما يصدرُ عن الإنسانِ من عباراتٍ وتعبيراتٍ إيجابيَّةٍ؛ ممَّا يُمثِّل ركيزةً أساسيَّةً في بناء شخصيَّة المؤمن، وإصلاح المجتمع، وتحقيق الأُلفة بين النَّاس.

يتجلَّى المثلُ الأعلى في طيِّب القول، والفعل، في صاحب الخُلق العظيم -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، فقد عُرف عنه اللِّينُ في الحديثِ، والبشاشةُ في الوجهِ، حتَّى مع أعدائه. وحثَّنا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- على الكلام الطَّيِّبِ فـ[الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ]، بل إنَّه شدَّد على حُسنِ اختيار الكلمات، والابتعاد عن الفظاظة، فقال: [إنَّ أَحْبَّكُم إِلَيَّ وَأقرَبَكُم مِنِّي فِي الآخِرَةِ مَحَاسِنُكُم أَخْلَاقًا، وإنَّ أبْغَضَكُم إِلَيَّ وَأَبْعدَكُم مِنِّي فِي الآخِرَةِ أَسْوَأَكُم أَخْلَاقًا الثَّرثَارُونَ المُتَفْيهِقُونَ المُتَّشدِّقُونَ].
التوجيهُ الإلهيُّ ثابتٌ لا يتغيَّر بالزَّمان أو المكان، وقد أُمِر بنو إسرائيل {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، نلاحظ أنَّ {لِلنَّاسِ} أوجبتْ مُخاطبة الجميع بالحُسنِ دون تمييز، أو انتقاء، وليس فقط الأقرباء، أو الأصدقاء، أو المؤمنِينَ... بل الحُسن في القولِ مع الجميع.
رَحِمَ اللهُ الإِمامَ الشَّافعيَّ، القائلَ:
لِسَانُكَ لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ
فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ ألسُنُ
وَعَينُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيكَ مَعَايِبًا
فَدَعْهَا وَقُلْ يَا عَينُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ
للكلمة الطَّيبة سُلطة لا تضاهى في النفوس، {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، وبالكلام الطَّيِّب انتشرت الدَّعوة، وتمكَّنت في النُّفوس، وكم من أفرادٍ وجماعاتٍ دخلُوا في الإسلامِ بتأثيرِ الكلمة الطَّيِّبة، والتَّعامل الحَسنِ.
اللَّهُمَّ ارْزقْنَا القَولَ الطَّيِّبَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ، واجْعَلنَا ممَّن يَرقبُونَ قَولَهُ -جلَّ جلَالُهُ-: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}.

أخبار ذات صلة

حين تحرس الدول طرق الحضارة
طريق الأمم إلى الريادة
هل تغيّرت الثقافة.. أم تبدّلت أدواتها؟!
فَاتخِذُوهُ عَدُوًّا
;
حتى لا تفقد كلمة «رمز».. قيمتها
إلى أبطال مستشفى شرق جدة
مدينة القصب.. حين يكتب الملح حكاية المكان
الحب الأحادي.. وفاء أم مذلة؟
;
لا تفتح خريطة غيرك
السعودية.. تصنع الاستقرار وتحمي المصالح
الرياض.. من اقتصاد النفط إلى اقتصاد العقول
عيـــــــــون
;
الرياض.. وقواعد الأمن الجديدة
أفعال الكلام
مدن صناعية (يدوية)!
برؤية سمو وزير الطاقة.. ريادة سعودية للاقتصاد الأخضر