منتدى

الحياة لا تتوقف عند محطة واحدة

الحياة لا تتوقف عند محطة واحدة
كم مرَّة وقفنا على شاطئ الذكريات، نتابع سفنًا أبحرت دون أنْ نكون على متنها، أو جلسنا على أرصفة الانتظار نودِّع قطارات غادرت في صمتٍ، تاركة خلفها سؤالًا يثقل القلب: ماذا لو كان القرارُ مختلفًا؟ ماذا لو عادت بنا الأيام؟
لكن الحقيقة التي لا مفرَّ منها، أنَّ الزمنَ لا يعود إلى الوراء. لا سفينة تُعيد العمر، ولا قطار يعود ليأخذنا إلى ما فات. تمضي الحياةُ في اتجاهٍ واحدٍ، تحمل ما كان لنا، وما كان علينا، وتغلق خلفنا أبوابًا، وتفتح أخرى دون استئذان.

ومع ذلك، فإنَّ أكثر ما يستنزف الإنسان ليس ما فاته، بل إصراره على أنَّ ما فاته هو النهاية. فيبقى أسير محطَّة لم يعد إليها شيءٌ، بينما الحياة من حوله تواصل السَّير بهدوءٍ نحو محطَّات جديدة.
الحياةُ ليست رحلةً واحدةً على متن سفينة واحدةٍ، ولا طريقًا واحدًا بلا بدائل. قد تغادر بعضُ السفن، وقد تفوتنا بعضُ القطارات، لكنَّ ذلك لا يعني أنَّ الرحلة انتهت، بل يعني فقط أنَّ المسار تغيَّر.

كم من أمنيةٍ أُغلقت أبوابها في وجوهنا، ثمَّ اكتشفنا لاحقًا أنَّها لم تكن لنا، وكم من طريق ظننّاه خسارةً، فإذا به يقودنا إلى ما هو أوسع وألطف ممَّا كنا نتخيَّل.
قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «وَاعْلَمْ أنَّ مَا أخْطَأكَ لمْ يكنْ لِيُصيبكَ، وَمَا أَصَابَكَ لمْ يكنْ ليُخطِئكَ».
هذا اليقينُ لا يطفئ الحزن، لكنَّه يخفِّف وطأته، ويعيد ترتيب المعنى داخل القلب: أنَّ ما كُتب لنا سيصلنا، ولو تأخَّر، وما لم يُكتب لنا لنْ يكون لنا، ولو اقترب.
الإيمانُ هنا لا يعني التوقُّف عن السَّعي، بل يعني أنْ نمضي بقلوبٍ مطمئنةٍ؛ نأخذُ بالأسباب، نجتهدُ، نحاولُ، ثمَّ نتركُ النتائج لحكمةٍ أعلى من رغباتنا.
وما يبدو لنا فقدًا، قد يكون في حقيقته إعادة توجيهٍ. فبعضُ الأبواب التي أُغلقت لم تكن حرمانًا، بل حماية، وبعض التأخيرات لم تكن عقوبةً، بل إعدادًا لطريقٍ أنضج ممَّا أردنا.
قال الأديبُ مصطفى لطفي المنفلوطي: “إنَّ المصائبَ كثيرًا ما تكونُ رسلًا تحملُ إلينَا من الخيرِ ما لم نكنْ ننتظرُ”.
لهذا لا تُقَاس الحياة بما فات، بل بما تبقَّى من قدرة على البدء من جديد. ولا تُختصر الرحلة في محطة غادرها قطار، بل في إيمانك بأنَّ قطارات أخرى ما زالت تصل.
صحيحٌ أنَّ العمر لا يعود إلى الخلف، لكن ما تبقى منه قد يكون أكثر وعيًا وهدوءًا ونضجًا ممَّا مضى. وصحيحٌ أنَّ بعض الطرق تُغلق، لكن في كل إغلاق باب، تُفتح إمكانيَّة اتجاهٍ جديد لم نكنْ نراه.
فامضِ، ولا تُثقل قلبكَ بما لم يُكتب لكَ. واسعَ فيما تستطيع، ثمَّ اطمئن لما لا تستطيعُ تغييره. فبين السَّعي والرِّضا تتولَّد الطمأنينة، ويهدأ الصراع بين ما نريدُ، وما يريدُ اللهُ لنَا.
* همسة أمل:
لا تحزن على سفينة أبحرت دونك، ولا تقف طويلًا عند محطة غادرها قطار. فما دام في العمر بقية، وفي القلب يقين، فإن للحياة متسعًا لبدايات أخرى. وما كُتب لك سيأتيك في وقته، ولو تأخر، وما لم يُكتب لك فثق أن الله صرفه عنك برحمةٍ أعظم مما تتخيل.

أخبار ذات صلة

هل يحدد الـDNA ما يجب أن نأكله؟
هل يحدد الـDNA ما يجب أن نأكله؟
أين تكمن السعادة؟!
أين تكمن السعادة؟!
حين يتحول العطر إلى خطر صامت!
حين يتحول العطر إلى خطر صامت!
الاختصاصي الاجتماعي.. قصص نجاح
الاختصاصي الاجتماعي.. قصص نجاح
;
البنك المركزي.. وخدمات البنوك ورسومها
البنك المركزي.. وخدمات البنوك ورسومها
سوق الخضار بمحافظة أملج
سوق الخضار بمحافظة أملج
في الرواية لا تشرح.. دع الأحداث تتكلم
في الرواية لا تشرح.. دع الأحداث تتكلم
ماذا فقدنا؟
ماذا فقدنا؟
;
المنتخب والتجنيس… حل أم مشكلة؟
المنتخب والتجنيس… حل أم مشكلة؟
القائد هو من يمنح القرار قيمته.. لا القرار هو من يصنع القائد
القائد هو من يمنح القرار قيمته.. لا القرار هو من يصنع القائد
عندما تبكي كرة القدم وداعًا لملك اللعبة
عندما تبكي كرة القدم وداعًا لملك اللعبة
الإشادة الحكومية بالقطاع غير الربحي.. مسؤولية تتجدد لصناعة الأثر
الإشادة الحكومية بالقطاع غير الربحي.. مسؤولية تتجدد لصناعة الأثر
;
عصر الملخصات!
عصر الملخصات!
الحارة والسلوكيات التربوية
الحارة والسلوكيات التربوية
عقلية الرئيس التنفيذي حيث تبدأ القيادة قبل الإدارة
الاتحاد... إلى أين؟
الاتحاد... إلى أين؟