كتاب

ما معنى: «حين تقلي تدري»..؟!

ذكر الإمامُ السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن» القصَّة التالية:
سمعتُ أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول: سمعتُ أبي يقولُ: سألتُ الحسين بن الفضل فقلتُ: إنَّك تُخرِجُ أمثال العرب والعَجَم من القرآن، فهل تجد في كتاب اللهِ: (خيرُ الأمورِ أوسطُها)؟ قال: نعم، في أربعة مواضع، قوله تعالى: {لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ}.

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}.
وقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}.

وقوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا}.
قلتُ: فهل تجد في كتاب الله (مَن جهلَ شيئًا عَادَاه)؟ قال: نعم في موضعين قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}، وقوله تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}.
قلتُ: فهل تجد في كتاب الله: (احذرْ شرَّ مَن أحسنتَ إليهِ)؟ قال: نعم، قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}.
قلتُ: فهل تجد في كتاب الله: (ليسَ الخبرُ كالعيانِ)؟ قال: في قوله تعالى: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}.
قلت فهل تجد: (فِي الحركاتِ البركاتُ)؟ قالَ: في قوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}.
قلتُ: فهل تجدُ: (كَمَا تُدينُ تُدَان)؟ قال: في قوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}.
قلتُ: فهل تجدُ فيه قولهم: (حِين تقلِي تَدرِي)؟ قال: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا}. قلتُ: فهل تجدُ فيه: (لا يُلدَغ المُؤمنُ مِن جحرٍ مرَّتَينِ)؟ قالَ: في قوله تعالى: {هلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ}.
قلتُ: فهل تجدُ فيه: (مَن أعانَ ظالمًا سُلِّطَ عليهِ)؟ قال: قوله تعالى:
{كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ}.
قلتُ: فهل تجدُ فيه قولهم: (لا تلدُ الحيَّةُ إلَّا حيَّةً)؟ قال: قال تعالى: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}.
قلتُ: فهل تجدُ فيه: «للحيطانِ آذانٌ)؟ قال: في قوله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}.
قلتُ: فهل تجدُ فيه: (الجاهلُ مرزوقٌ والعالمُ محرومٌ)؟ قال: قال تعالى:
{مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا}.
قلتُ: فهل تجدُ فيه: (الحلالُ لَا يأتيكَ إلَّا قوتًا والحرامُ لا يأتيكَ إلَّا جزافًا)؟ قال: في قوله تعالى: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ}.
حسنًا ماذَا بَقِي؟ بَقِيَ القولُ هذه القصَّة الجميلة رأيتها في الآف المواقع، عن طريق القصِّ واللَّصقِ، ولكن لم يتكرَّم أحدٌ من الذين نشرُوها بشرح المثل القائل (حِينَ تَقلِي تَدْرِي)، آملُ أنْ أكونَ أوَّل مَن شرح هذا المثلَ العميقَ.
* ملحوظة: تُقال عبارة: (حِينَ تقلِي تَدرِي) للتَّعبير عن تأجيل معرفة الحقيقة، أو العواقب، إلى وقت وقوع الحدث الفعليِّ، أو الاستخدام، يعني أنَّك لن تدرك حقيقة جودة الشَّيء، أو ما يخبِّئه لكَ إلَّا عند تجربته، أو استخدامه بالفعل.
ويُقال للشَّخص الذي يستعجل معرفة النتائج، أو يبدي رأيًا استباقيًّا.!
والمعنى المراد هنا: (أنَّه عندما يحينُ وقتُ العمل أو الاستخدام، ستعرف الحقيقة بنفسك).
وأصلُ هذا المثل في كُتب التراث العربيِّ -كما ورد في كتاب «مجمّع الأمثال»- يشيرُ إلى قصَّة طريفةٍ لرجلٍ دخل منزل امرأةٍ وسرقَ «مقلًى» (أداة لقلي الطَّعام). وحِينَ أراد الانصرافَ، سألته المرأةُ: ماذَا سرقتَ؟، أجابَها ببرودٍ: «حِينَ تقلِينَ تَدرِين»، أي: عندما تحاولِينَ قلي الطَّعام لاحقًا ستكتشفِين أنَّ مقلاتك قد سُرقت.
مع مرور الوقتِ، تحوَّل هذا القولُ إلى حكمةٍ عربيَّةٍ، للردِّ على مَن يستعجل الأمور، أو يجادل في نتائج لم يحن وقتها بعد.

أخبار ذات صلة

“قوتنا الناعمة”.. الإعلام السعودي استثمار وطني وعالمي
تهريج..!!
مَن يطلقها من عقالها..؟!
هيئة الحكومة الرقمية.. تحدي الوقت
;
الطاقة التي تصنع النفوذ
من ساحة الإبداع.. إلى القفز على المسلمات
عندما يخفق المنتخب!!
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
;
ما تعلمته في مجالس الأمراء
التعليم السعودي يضع الإنسان أولاً
عبدالعزيز بن سعد.. أمير القيادة الملهمة
استضافة نبيٍّ وجهاد في إسطنبول!!
;
المدرعمون بجهل
ثلاث صور تتجاوز حدود المصادفة.. جمعها أكبر مسرح
استثمر في نفسك أولًا
كيف تتعامل المدن مع تضاريسها؟