كتاب

(الله لَطيف بعباده)

د. أيمن بدر كريِّم 26 يوليو 2026 23:03 دقيقتان قراءة
في لحظاتِ عزلةٍ تخفُّ فيها وطأةُ الصَّخب، ويتراجع ضجيجُ العالم، وتهدأ ثورةُ النَّفس، يتجلَّى الامتنانُ بوصفه معرفةً عميقةً، بأنَّ وراء تفاصيل حياتنا يدًا رحيمةً تدبِّر أمورنا في الخفاء، وتحيط بنا بعلمٍ لا يغيب عنه خفي وَلا جلي.
(اللهُ لَطِيفٌ بِعبَادِهِ)؛ لطف يعتني بأدقِّ شؤونهم، ويهتم بما نظنُّه عارضًا أو هامشيًّا. هو الحاضر في كل آنٍ ومكان، المدبِّر بحكمة تتجاوز إدراكنا، السَّاعي إلى استخلاص عبده من تنازع الأغيار. وحين يعيد الإنسان قراءة حياته في ضوء هذا الوعي، تتبدَّل معاني الوقائع؛ فيرى العناية الإلهيَّة حاضرةً لطيفةً، حتى في أشدِّ لحظات القسوة والمعاناة والألم.
علم الله لا يخطئ موضع الألم؛ فهو العليم الخبير بسرائر النُّفوس، يدرك ما تضيق به الصُدور، وإن عجز اللِّسان عن الشكوى، ويقدِّر من التيسير بقدر ما تتَّسع لنا قلوبنا من لطفه. عندها يغدُو الامتنان فعل ثقة بأنَّ التدبير الإلهيَّ لا يخذل، وأنَّ الأحداث الحاصلة في كل يوم، إنما تدبِّر الحال على نحو يتجاوز حساباتنا الضيِّقة.
وحين يقول سبحانه: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، فإنَّما يشيرُ إلى فعلٍ إلهيٍّ دائمٍ، وعناية لا تفتر، وجبر يتنزَّل في لحظةٍ غير متوقَّعة، ونور بصيرة ينسكب في قلب العبد، ليُبدِّد عتمةً طال أمدها. إنَّه خلقٌ متجدِّد للطمأنينة في نفسه، حتى يتعلَّم أنْ يثق بما عند الحكيم الخبير.
وفي هذا المقام، تتجلَّى حكمة (ابن عطاء الله السكندريِّ): «أرحْ نفسكَ من التدبيرِ؛ فمَا قامَ بهِ غيرُك عنك، لا تقمْ به لنفسك». كم أرهقتنا محاولة تحصيل ما كفينا، وكم أشقانا التعلُّق بما لم يُكتَب لنا. فإذا سُلِّم الأمر لمدبِّره، جرت الأقدارُ بما فيه صلاحُنا، لا بما ترغبه أهواؤنا. وما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة، يشهد فيها أنَّ اختيار الحق له خير من اختياره لنفسه.
من هنا، يصبح الامتنان موقفًا وجوديًّا: طريقة في رُؤية العالم، وفي قراءة الذَّات، وفي استقبال القدر. إنَّه انفتاح على رحمة لا تنفد، ورعاية لا تنقطع، وجبر يأتي في اللَّحظة التي يُوشك فيها اليأس أنْ يفتك بالنَّفس. وهكذا يمتلئ القلب بالطمأنينة، لا لأنَّ الحياة تخلُو من الألم، بل لأنَّها مغمورة بعناية الله اللَّطيف الخبير.
الوسوم: #امتنان#لطف#تدبير#عناية#بصيرة#طمأنينة#حكمة#رحمة

أخبار ذات صلة