يعود مهرجان التمور الدولي في عنيزة كل عام، وكأنه عيد تعرف المدينة موعده بقلبها؛ فتتهيأ له البيوت، وتترقبه الوجوه، وتستقبل أرض النخيل زوارها بفرح يشبه لقاء الأحبة بعد غياب.
أحب في هذا المشهد تلك الألفة التي تجمع الناس حول ثمرة عرفناها على موائدنا منذ الطفولة. للتمر في ذاكرتنا طعم البيت، ويد الأم، وفنجان القهوة، وكرم الباب المفتوح. وحين تحتفي به عنيزة، أشعر أنها تجمع هذه الذكريات كلها، وتمنحها مكانًا بين أصوات السوق وحركة العابرين.
أتأمل المزارع واقفًا بجوار محصوله، فأفكر في الصباحات التي قضاها بين نخيله، وفي انتظاره حتى تنضج الثمرة. كم من تعب تختبئ حكايته داخل صندوق تمر! وكم من دعوة رافقت الماء وهو يصل إلى جذور النخلة!
ثم يأخذني الأشبال إلى دهشة أخرى؛ بحضورهم الواثق، وحماسهم للعمل، ومعرفتهم بما يعرضون. أراهم فأطمئن إلى أن الحكاية ستستمر، وأن ما زرعته الأيدي بالأمس يجد اليوم من يحفظه، ويتعلمه، ويمنحه فرصة جديدة للنمو. وأجدني أبتسم، كأنني أرى في وجوههم ملامح مستقبل ننتظره جميعًا.
ويمضي المهرجان، وتبقى في النفس صور صغيرة: ابتسامة بائع، وترحيب عابر، وفرحة أسرة بمحصولها، وعين طفل تراقب وتتعلم. تلك التفاصيل تمنح الاحتفال روحه، وتجعل العودة إليه أشبه بالعودة إلى بيت نعرف أهله، ونشتاق إلى دفئه.
هكذا أفهم فرح عنيزة بمهرجانها؛ فرح مدينة ترى جهد أهلها حاضرًا أمامها، وتفتح ذراعيها ليشاركها الجميع الاعتزاز به. وفي كل عودة، تكبر في قلبي محبة هذه الأرض، ويكبر معها فخري بالسعودية، حيث تمتد جذورنا عميقًا، ويواصل أبناؤنا بناء الغد بثقة.
يا عنيزة، كل عام ونخيلك بخير، وأهلك بفرح، وموسمك عيد يجمعنا على المحبة، ويذكرنا بأن للوطن مذاقًا نعرفه، ودفئًا نحمله معنا أينما ذهبنا.


