كتاب

رسالتي إلى أمين جدة الجديد (2/2)

لم تكن الملفَّات الخمسة، التي طرحتُها في المقال السَّابق أمام معالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه، أمين محافظة جدة الجديد، سوى مدخل عاجل لترتيب الأولويَّات البلديَّة المُلحَّة لـ»العروس»، واليوم، يتطلَّع الشارعُ الجداويُّ، والمجتمعُ الاستثماريُّ إلى ما هو أبعد من مجرد معالجة الأزمات المزمنة؛ يتطلَّعُون إلى صياغة رُؤية استباقيَّة تضع المدينة في قلب الحِراك التنمويِّ الجديد، وتحديدًا بالإجابة عن هذا السؤال الإستراتيجي الكبير: هل يجعل الأمين الجديد من جدَّة عاصمة للاقتصاد الدائريِّ للكربون؟
إنَّ الخلفية الاحترافيَّة والخبرة الاستثماريَّة الصارمة التي يحملها معاليه من مدرسة الأصول السياديَّة ومنظومة عقارات الدولة، تُعدُّ الوقود الأمثل للعبور بالعمل البلديِّ نحو آفاق العصر، وتحويل التحدِّيات البيئيَّة المزعجة إلى فرص تنمويَّة واقتصاديَّة واعدة، تتماشى بصورة كاملة مع التوجهات الإستراتيجيَّة لـ»رُؤية المملكه 2030»، ومستهدَفات مبادرة «السعوديّة الخضراء» التي أطلقها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، وحتَّى تتحوَّل جدَّة بموقعها الحيويِّ ومينائها العالميِّ إلى مختبرٍ مفتوح لإنتاج المعرفة، وجذب الاستثمارات النوعيَّة، أضع أمام معاليه ملامح هذه المنظومة المقترحة:

أوَّلًا: مجلس استشاري لتقنيات المستقبل: الحاجة ماسَّة لإنشاء مجلس معتمد لخفض الانبعاثات الكربونيَّة تحت مظلَّة الأمانة، يضم نخبةً من الجامعات، والقطاع الخاص، والجهات الحكوميَّة؛ لتطوير المبادرات البيئيَّة والذكيَّة التي تتجاوز الدور التنظيمي البلدي التقليدي، إلى صناعة منظومة متكاملة منخفضة الكربون.
ثانيًا: مركز وطني للتطبيقات التجريبية: تتولَّى أمانة جدَّة تأسيس مركزٍ لا يكتفي بالدراسات النظريَّة، بل يعمل على تمويل واختبار أحدث التقنيات في بيئات تشغيل واقعيَّة داخل مدينة جدَّة، سواء في إدارة النفايات، أو الطاقة، أو النقل الذكيِّ، فالعديد من الابتكارات تموت في المختبرات؛ لغياب جهةٍ تتبنَّاها ميدانيًّا وتيسِّر قياس جدواها الاقتصاديَّة.

ثالثًا: استثمار الابتكار وتوليد الوظائف: بعد ثبات نجاح تلك التقنيات علميًّا وعمليًّا، يتم اعتمادها لتأسيس شركات مختلطة بالشراكة مع المستثمرين لتسويقها وتوسيع نطاقها محليًّا ودوليًّا؛ ممَّا يحوِّل الأبحاث إلى اقتصاد منتج، ويخلق آلاف الفرص الوظيفيَّة النوعيَّة للشباب والشابات من أبناء وطننا الحبيب في مجالات الهندسة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات البيئيَّة.
رابعًا: حوافز الاستثمار وتحصين القطاع الخاص: إنَّ غياب الحاضنات الذكيَّة لاختبار التقنيات يمثِّل مخاطرة ماليَّة كبرى للمستثمرين؛ لذا فإنَّ توفير الأمانة لهذه المساحات الآمنة لاختبار الحلول البيئيَّة ميدانيًّا، سيقلِّل من تكاليف المغامرة الاستثماريَّة، هذا الدعم الاستباقي سيشكِّل درعًا واقيًا للشركات المحليَّة، يحمي أرباحها ويرفع تنافسيَّة المنتج السعودي عالميًّا.
معالي الأمين... إنَّ المدن الحديثة لم تعد تُقاس بحجم مشروعاتها الإنشائية فحسب، بل بقدرتها على صناعة بيئة مُستدامة ومستقبل مرن، وهذه هي الفرصة التاريخيَّة أمامكم؛ لإنشاء إرثٍ مؤسسيٍّ يجعل من أمانة جدَّة شريكًا حقيقيًّا في بناء اقتصاد المستقبل، ويؤكِّد للعالم أنَّ المملكة لا تكتفي بإطلاق المبادرات البيئيَّة الكبرى، بل تصنع منها نماذج نجاح واقعيَّة ومبهرة.

أخبار ذات صلة

المكياج وسياحة جدَّة!!
ولد (الفيفا)..!
نقلة حضارية.. في التعليم السعودي
(الله لَطيف بعباده)
;
الأفران التاريخية في الطائف
حين يتحوَّل العقل إلى ثروة.. تبدأ الأمم رحلتها الحقيقية
الخلايا الجذعية.. حين يصبح العلم ذاكرةً للمستقبل
“قوتنا الناعمة”.. الإعلام السعودي استثمار وطني وعالمي
;
تهريج..!!
مَن يطلقها من عقالها..؟!
هيئة الحكومة الرقمية.. تحدي الوقت
الطاقة التي تصنع النفوذ
;
من ساحة الإبداع.. إلى القفز على المسلمات
عندما يخفق المنتخب!!
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
ما معنى: «حين تقلي تدري»..؟!