كتاب
الربع الأخير.. ما بعد الصهيونية
تاريخ النشر: 29 يوليو 2026 00:27 KSA
أثناء رحلةٍ علاجية إلى بازل، قصدتُ القاعة التي انعقد فيها المؤتمر الصهيوني الأول سنة ١٨٩٧. هناك سأل تيودور هرتزل: هل يستطيع شعبٌ بلا دولة أن يصبح دولة؟ وقد أجاب التاريخ عن السؤال الأول.
وقفتُ قليلًا ثم غادرت. بقي المبنى خلفي، أما السؤال الثاني فقد خرج معي من القاعة، ومشى معي في شوارع بازل، ولم يغادرني منذ ذلك اليوم.
كنتُ أفكر في ما قاله الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، في حديثٍ إلى قناة «العربية»، إن الحوار بين القدس ومكة ينبغي أن يكون جوهر ما هو آتٍ، مقدِّمًا «اتفاقات إبراهام» نموذجًا له. وأحسب أن هذه الدعوة تستحق جوابًا جادًا.
دخلت إسرائيل ربعها الرابع. يستعمل الإسرائيليون هذه العبارة تحذيرًا من انقسام الداخل، ومن بيتٍ سقط مرتين من داخله قبل أن يبلغه عدو. أما أنا فأراه أقرب إلى ما يُنسب إلى دافيد بن غوريون حين سُئل، بعد قيام إسرائيل، إن كان راضيًا عمّا أُنجز، فقال: «سلوني حين تبلغ إسرائيل الخامسة والسبعين».
فشرعية التأسيس لا تتجدد من تلقاء نفسها. تأتي لحظةٌ يصبح فيها السلوك، لا التأسيس، مصدر الشرعية. وليس الداخل وحده من يصدر ذلك الحكم، بل العالم أيضًا.
هذا ما أعنيه بما بعد الصهيونية. ليست نهاية إسرائيل، وليست إنكارًا لأمن اليهود ولا لحقهم في الوجود؛ بل نهاية الاعتقاد بأن شرعية التأسيس تكفي لتحمل تصرفات الدولة إلى الأبد.
اختار رام إيمانويل، المرشح المحتمل للرئاسة الأميركية، تل أبيب ليقولها: لا «إسرائيل الكبرى»، ولا «من النهر إلى البحر». وحين تُقال هذه في تل أبيب، فقد تبدّل ما يمكن قوله.
وكتب وزير خارجية سلطنة عُمان، الوسيط الأول مع إيران، في صحيفة «لوموند»، أن أخطر ما يهدد أمن الخليج هو قراراتٌ تُتخذ خارجه، وفي تل أبيب قبل سواها. لم يكن يوجّه اتهامًا؛ كان يضع الفاتورة على الطاولة.
فمنذ فبراير احترقت مصافينا، وأُغلقت مطاراتنا، وعبرت سماءنا نيران حربٍ لم تخترها عاصمةٌ خليجية واحدة، ودفعت ثمنها كل عاصمة. أما غزة... لم يعد النقاش يدور على منصات التواصل، بل أمام محكمة العدل الدولية، في دعوى تتعلق بالإبادة الجماعية. وهناك هندسةٌ للسلام قائمة، لكنها لا تحكم.
وهنا يكمن وجه الإشكال في الدعوة. لقد استبدلت «اتفاقات إبراهام» اسمَ خليل الرحمن بالقدس، في إطارٍ أمني وتجاري؛ ومدُّ ذلك الإطار إلى مكة ليس إلا تكرارًا للاستبدال نفسه: حوارٌ ديني يُطرح حيث يستحق الأمر جوابًا إستراتيجيًاً.
ومكة ليست النظير الديني للقدس، وليست بديلها. مكة المكرمة أمانة. وشرعية الأمانة خدمةٌ قبل أن تكون سيادة؛ تستقبل حاجَّ الدولة المعادية كما تستقبل سواه. والأمانة تُحمَل ولا تُملَك؛ فلا تُبادَل بصورة، ولا باستثمار، ولا باحتفال على عشبٍ أخضر بعيد.
ثم إن مكة قد تكلمت. سنة ٢٠٠٢ طرحت المملكة العربية السعودية مبادرة السلام العربية على العرب جميعًا فأقروها: اعترافٌ كامل مقابل ما طُلب دائمًا. وفي نوفمبر ٢٠٢٤ أعادت القمة العربية الإسلامية في الرياض تثبيت المبادرة نفسها أمام أوسع اجتماع انعقد في هذه القضية. لم تتغير الشروط في أربعة وعشرين عامًا. ومن ينشر شروطه ولا يغيّرها لا يساوم؛ وما لا يُعرض للبيع لا يُشترى.
ويُنتظر هنا ما يشبه لحظة السادات: طائرةٌ تهبط، وخطابٌ يُلقى، فيُظن أن ما مضى قد انقضى. لكن تلك اللحظة جاءت مرةً واحدة. جاء أنور السادات يحمل ملفًا يريد إغلاقه وأرضًا يريد استردادها؛ فعادت سيناء، وبقيت فلسطين، ودفع هو حياته ثمنًا لذلك.
أما اليوم فلا سيناء تُسترد. وما يُطلب من مكة هبةٌ لا مبادلة. والرحلة المنتظَرة ليست سياسة، بل انتظارُ خلاص.
فالقدس لا تُتجاوز، ومكة لا تُستدعى لتمنح شرعيةً لما لم تُنشئه.
ما أقامته السياسة لا يحفظه إلا السياسة. ولا خلاصَ سياسيًّا ينتظر أحدًا، لا هناك ولا هنا. ومن انتظر خلاصًا يعفيه من عدله اليوم فقد أخطأ دينه قبل أن يخطئ سياسته. وضبطٌ لا يُطبَّق في البيت ليس ضبطًا بل سلاح. الدول لا تُنقَذ؛ الدول تُحفَظ.
الأمن يمنع الحرب المقبلة، والشرعية تمنع الظروف التي تجعلها حتمية.
سألت بازل كيف تُولد الدولة. وبعد غزة يسأل العالم كيف تبقى.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختبَر.
ملاحظة تعريفية دخلت عبارة «الربع الرابع» النقاش الإسرائيلي العام عبر الحركة التي تحمل الاسم نفسه، التي أسسها يوآف هيلر سنة ٢٠٢٢، وتقوم فكرتها على أن السيادة اليهودية سقطت مرتين في الربع الأخير من قرنها الأول -في مملكة سليمان وفي دولة الحشمونيين- بانقسامٍ داخلي سبق الخراب من الخارج. وتستند الحركة إلى ما يُنسب إلى دافيد بن غوريون حين سُئل بعد قيام الدولة إن كان راضيًا: «سلوني حين تبلغ إسرائيل الخامسة والسبعين، حين يصير صوابُ الطريق أمرًا يُعاد تعريفه لا بما كان بل بما سيكون.» هذا المقال يقبل التوقيت ويخالف في السبب: ليس الانقسام وحده ما يُنهي الربع الرابع، بل السلوك حين يصير هو المقياس.
وقفتُ قليلًا ثم غادرت. بقي المبنى خلفي، أما السؤال الثاني فقد خرج معي من القاعة، ومشى معي في شوارع بازل، ولم يغادرني منذ ذلك اليوم.
كنتُ أفكر في ما قاله الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، في حديثٍ إلى قناة «العربية»، إن الحوار بين القدس ومكة ينبغي أن يكون جوهر ما هو آتٍ، مقدِّمًا «اتفاقات إبراهام» نموذجًا له. وأحسب أن هذه الدعوة تستحق جوابًا جادًا.
دخلت إسرائيل ربعها الرابع. يستعمل الإسرائيليون هذه العبارة تحذيرًا من انقسام الداخل، ومن بيتٍ سقط مرتين من داخله قبل أن يبلغه عدو. أما أنا فأراه أقرب إلى ما يُنسب إلى دافيد بن غوريون حين سُئل، بعد قيام إسرائيل، إن كان راضيًا عمّا أُنجز، فقال: «سلوني حين تبلغ إسرائيل الخامسة والسبعين».
فشرعية التأسيس لا تتجدد من تلقاء نفسها. تأتي لحظةٌ يصبح فيها السلوك، لا التأسيس، مصدر الشرعية. وليس الداخل وحده من يصدر ذلك الحكم، بل العالم أيضًا.
هذا ما أعنيه بما بعد الصهيونية. ليست نهاية إسرائيل، وليست إنكارًا لأمن اليهود ولا لحقهم في الوجود؛ بل نهاية الاعتقاد بأن شرعية التأسيس تكفي لتحمل تصرفات الدولة إلى الأبد.
اختار رام إيمانويل، المرشح المحتمل للرئاسة الأميركية، تل أبيب ليقولها: لا «إسرائيل الكبرى»، ولا «من النهر إلى البحر». وحين تُقال هذه في تل أبيب، فقد تبدّل ما يمكن قوله.
وكتب وزير خارجية سلطنة عُمان، الوسيط الأول مع إيران، في صحيفة «لوموند»، أن أخطر ما يهدد أمن الخليج هو قراراتٌ تُتخذ خارجه، وفي تل أبيب قبل سواها. لم يكن يوجّه اتهامًا؛ كان يضع الفاتورة على الطاولة.
فمنذ فبراير احترقت مصافينا، وأُغلقت مطاراتنا، وعبرت سماءنا نيران حربٍ لم تخترها عاصمةٌ خليجية واحدة، ودفعت ثمنها كل عاصمة. أما غزة... لم يعد النقاش يدور على منصات التواصل، بل أمام محكمة العدل الدولية، في دعوى تتعلق بالإبادة الجماعية. وهناك هندسةٌ للسلام قائمة، لكنها لا تحكم.
وهنا يكمن وجه الإشكال في الدعوة. لقد استبدلت «اتفاقات إبراهام» اسمَ خليل الرحمن بالقدس، في إطارٍ أمني وتجاري؛ ومدُّ ذلك الإطار إلى مكة ليس إلا تكرارًا للاستبدال نفسه: حوارٌ ديني يُطرح حيث يستحق الأمر جوابًا إستراتيجيًاً.
ومكة ليست النظير الديني للقدس، وليست بديلها. مكة المكرمة أمانة. وشرعية الأمانة خدمةٌ قبل أن تكون سيادة؛ تستقبل حاجَّ الدولة المعادية كما تستقبل سواه. والأمانة تُحمَل ولا تُملَك؛ فلا تُبادَل بصورة، ولا باستثمار، ولا باحتفال على عشبٍ أخضر بعيد.
ثم إن مكة قد تكلمت. سنة ٢٠٠٢ طرحت المملكة العربية السعودية مبادرة السلام العربية على العرب جميعًا فأقروها: اعترافٌ كامل مقابل ما طُلب دائمًا. وفي نوفمبر ٢٠٢٤ أعادت القمة العربية الإسلامية في الرياض تثبيت المبادرة نفسها أمام أوسع اجتماع انعقد في هذه القضية. لم تتغير الشروط في أربعة وعشرين عامًا. ومن ينشر شروطه ولا يغيّرها لا يساوم؛ وما لا يُعرض للبيع لا يُشترى.
ويُنتظر هنا ما يشبه لحظة السادات: طائرةٌ تهبط، وخطابٌ يُلقى، فيُظن أن ما مضى قد انقضى. لكن تلك اللحظة جاءت مرةً واحدة. جاء أنور السادات يحمل ملفًا يريد إغلاقه وأرضًا يريد استردادها؛ فعادت سيناء، وبقيت فلسطين، ودفع هو حياته ثمنًا لذلك.
أما اليوم فلا سيناء تُسترد. وما يُطلب من مكة هبةٌ لا مبادلة. والرحلة المنتظَرة ليست سياسة، بل انتظارُ خلاص.
فالقدس لا تُتجاوز، ومكة لا تُستدعى لتمنح شرعيةً لما لم تُنشئه.
ما أقامته السياسة لا يحفظه إلا السياسة. ولا خلاصَ سياسيًّا ينتظر أحدًا، لا هناك ولا هنا. ومن انتظر خلاصًا يعفيه من عدله اليوم فقد أخطأ دينه قبل أن يخطئ سياسته. وضبطٌ لا يُطبَّق في البيت ليس ضبطًا بل سلاح. الدول لا تُنقَذ؛ الدول تُحفَظ.
الأمن يمنع الحرب المقبلة، والشرعية تمنع الظروف التي تجعلها حتمية.
سألت بازل كيف تُولد الدولة. وبعد غزة يسأل العالم كيف تبقى.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختبَر.
ملاحظة تعريفية دخلت عبارة «الربع الرابع» النقاش الإسرائيلي العام عبر الحركة التي تحمل الاسم نفسه، التي أسسها يوآف هيلر سنة ٢٠٢٢، وتقوم فكرتها على أن السيادة اليهودية سقطت مرتين في الربع الأخير من قرنها الأول -في مملكة سليمان وفي دولة الحشمونيين- بانقسامٍ داخلي سبق الخراب من الخارج. وتستند الحركة إلى ما يُنسب إلى دافيد بن غوريون حين سُئل بعد قيام الدولة إن كان راضيًا: «سلوني حين تبلغ إسرائيل الخامسة والسبعين، حين يصير صوابُ الطريق أمرًا يُعاد تعريفه لا بما كان بل بما سيكون.» هذا المقال يقبل التوقيت ويخالف في السبب: ليس الانقسام وحده ما يُنهي الربع الرابع، بل السلوك حين يصير هو المقياس.