كتاب

لا تطرق بابًا لم يعد لكَ

مع مرور السَّنوات، لا يصبحُ الإنسانُ أكثرَ قسوةً -كما يعتقدُ البعض- بل يصبح أكثرَ وعيًا. يبدأ في رُؤية الأشخاص كما هُم، لا كما يتمنَّى أنْ يكونُوا. يكتشف أنَّ التجارب لم تأتِ لتؤلمه، بل لتعلّمه، وأنَّ بعض العلاقات لم تكن سوى دروسٍ متنقِّلة، جاءت لتترك أثرًا، ثمَّ تمضي.
في البدايات، نمنحُ الآخرِينَ مساحةً كبيرةً في حياتنا، ونظنُّ أنَّ حُسنَ النيِّة يكفي لبناء علاقة تدوم. نصدِّقُ الوعود، ونسامحُ كثيرًا، ونلتمسُ الأعذارَ أكثر ممَّا ينبغي. لكن مع الوقت، ندركُ أنَّ الطِّيبة لا تعني أنْ تسمحَ لأحدٍ باستغلالِكَ، وأنَّ الاحترام لا يعني أنْ تتنازلَ عن كرامتِكَ. فالإنسانُ الناضجُ لا يفقدُ لطفَه، وإنِّما يتعلِّم لمَن يمنحهُ.

ومن أكثر الأمور التي استوقفتنِي، أنَّ بعض النَّاس لا يرون الآخرِينَ إلَّا بعين ما يحملونه في داخلهم. فمن اعتاد الصِّدق، يفترض حُسن النيَّة، ومَن عاش على المصالح، يظن أنَّ الجميع يبحث عن مصلحة. لذلك لا تتفاجأ إذا أساء البعضُ فهمَ طيبتكَ، أو فسَّر احترامَكَ على أنَّه ضعفٌ. المشكلة ليست فيك، بل في الطريقة التي ينظرُون بها إلى العالَم.
ولهذا أصبحتُ أؤمنُ أنَّ ليس كلُّ مَن يقترب منَّا يستحقُّ البقاء. فالحياة لا تُقَاس بعدد العلاقات، وإنِّما بمواقفها. قد تمتلك دائرةً صغيرةً من الأشخاص، لكنَّها تمنحك الطمأنينةَ والدَّعمَ والصِّدقَ، وهذا خيرٌ من عشرات العلاقات التي تقومُ على المجاملة أو المنفعة.

ولا ترهق نفسك في محاولة إقناع أحدٍ بقيمتِكَ. فالشخصُ الذي لا يراك اليوم، لن يراكَ غدًا؛ لأنَّك بذلتَ جهدًا أكبرَ. قيمةُ الإنسانِ لا تُثبت بالكلام، بل بما يقدِّمه، وبما يتركه من أثرٍ فيمن حوله. ومَن يعرف قيمتكَ سيحترمكَ دون أنْ تطلب ذلك.
تعلَّم أنْ تُودِّع مَن لا يقدِّر وجودكَ بهدوءٍ، دون خصومةٍ أو ضجيجٍ. فبعض الأبواب خُلقت لتُغلق، وبعض الأشخاص كانت مهمتهم أنْ يعلِّموك درسًا، لا أنْ يكملُوا الطريق معك.
في النهاية، راحةُ القلب لا تأتي من كثرة مَن حولك، وحين تتصالح مع نفسك، لن تخشَى رحيلَ احدٍ، ولن تتعلَّقَ بمن اختار المغادرة؛ لأنَّك ستدركُ أنَّ أعظم علاقة يجب أنْ تحافظ عليها هي علاقتك بنفسك.
* من النافذة:
ليسَ كلُّ مَن يطرقُ بابَ حياتك يستحقُّ الدخول، فبعضُ الأبواب نتركُها مغلقةً؛ حفاظًا على سلامِنَا الداخليِّ.

أخبار ذات صلة

أعوذ بالله من النصب والاحتيال!
جامعة الذكاء الإصطناعي.. هل نحن أمام ميلاد عصر جديد؟
الذاكرة لا تحتفظ إلا بما يستحق أنْ يُتذكَّر
حين ترى العين ويعجز العقل
;
عثمان حافظ.. وقصته مع المطبعة!
موهبـــة
الربع الأخير.. ما بعد الصهيونية
كيف تصنع الوجوه روح المكان؟
;
لعنة المركز الأول!
القوة الناعمة.. حين تصنع الثقافة «النفوذ والاقتصاد»
جهيمان الظفيري.. ذاكرة وطن
لماذا نكتب ؟
;
(ومالي سواك وطن)
وكلاء إيران.. ومسؤولية العراق
الشريك الأدبي.. حين عاد الشعر إلى الناس
غبار الأقدام