Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

المرور.. من الجهة الأخرى للطريق

A A
سبق أنْ تناولتُ في هذه الصَّحيفة ملفَّ الدرَّاجات الناريَّة المخصَّصة لخدمات التوصيل، وكتبتُ يومها أنَّ هذا النشاط، الذي فرضته متغيِّراتُ الحياة اليوميَّة، يحتاجُ إلى تنظيمٍ يواكبُ توسُّعه، ويحفظ سلامة الجميع، وخلال الفترة الماضية شهدنا خُطُواتٍ تنظيميَّةً مهمَّةً من الجهات المختصَّة، وفي مقدِّمتها وزارة البلديات والإسكان، إلى جانب جهود الجِهات الأُخْرى ذات العلاقة، وهو عملٌ يستحقٌّ التقديرَ؛ لأنَّ تنظيم هذا القطاع لم يعدْ خيارًا مع اتِّساع الاعتماد عليه في المُدن.
لكنَّ المشهدَ الذي مرَّ أمامي قبل أيَّام، أعاد هذا الملفَّ إلى الواجهة، من زاويةٍ مختلفةٍ تمامًا! حادثٌ مروريٌّ لسائقِ إحدَى درَّاجات التَّوصيل، وزميله يحملهُ بينَ ذراعيهِ في محاولةٍ لإسعافهِ، في صورةٍ يصعبُ تجاوزها! لم تكن مجرَّد حادثةٍ عابرةٍ، وإنَّما مشهد يختصرُ حجم المخاطر التي يعيشُها هؤلاءُ كلَّ يوم، خلف كلِّ خوذة إنسان جاء يبحثُ عن رزقه، وخلف كل حقيبةٍ توصيل أسرة تنتظر نهاية يوم يعود فيه معافًى.
وفي المقابل، لا يمكن الحديثُ عن سلامة الطُّرق دون الإشارةِ إلى ما تبذله الإدارةُ العامَّة للمرور من جهود كبيرةٍ في متابعة الحركة المروريَّة، وتطبيق الأنظمة، ورصد المخالفات، والتوعية المستمرَّة، تابعتُ -مؤخَّرًا- أحد المقاطع التي نشرتها الإدارةُ، وشاهدتُ مستوى الاحترافيَّة في مراقبة التجاوزات، وضبط المخالفِين، وهي أعمالٌ تمنح مستخدمِي الطريق مزيدًا من الطمأنينة، وتؤكِّد أنَّ سلامة الإنسان تتصدَّر الأولويَّات.
ورغم ذلك، يبقى الطَّريقُ مسؤوليَّة لا تحملها جهة واحدة، فالطرقُ الرئيسة تحظى بمتابعةٍ واضحةٍ، بينما تشهد بعض شوارع الأحياء ممارساتٍ لا تقلُّ خطورة، خاصَّة في أوقات خروج المدارس، والإجازات، والمناسبات، حيث يقودُ بعضُ صغار السنِّ مركباتهم بروح المغامرة أكثر من روح المسؤوليَّة، فيتحوَّل الشَّارع إلى مساحةٍ لا تحتمل الخطأ.
ومع اقتراب العام الدراسيِّ، تزداد الحاجةُ إلى ترسيخ ثقافة الالتزام داخل الأحياء السكنيَّة؛ لأنَّ كثيرًا من الحوادث لا تقعُ على الطرق السَّريعة، وإنَّما تبدأ من شارعٍ هادئٍ فَقَدَ فيه أحدُهم تقدير العواقب، ولعل من الأفكار التي تستحق الدِّراسة أنْ تمتدَّ المبادرات المروريَّة إلى الجانب الإيجابيّ أيضًا، فكما تُرصد المخالفة، ويُحاسب مرتكبها، قد يكون من الجميل أنْ يجد الملتزم بالأنظمة كلمةَ تقديرٍ، أو شهادة رمزيَّة، أو لفتة بسيطة تشجِّعه على الاستمرار، فالثقافة المروريَّة لا تُبنى بالعقوبة وحدها، وإنَّما تتعزَّز أيضًا بتقدير السلوك المسؤول.
الأنظمةُ موجودةٌ، والجهودُ قائمةٌ، والمجتمعُ شريكٌ في نجاحها، وما نحتاجه هو أنْ تتحوَّل سلامة الطريق إلى ثقافة يوميَّة، تبدأ من قائد المركبة، وتصل إلى كل مستخدم للطريق، سواء كان يقود سيارةً، أو درَّاجةَ توصيل، أو يعبر الشَّارع سيرًا على الأقدام.
* النقطة تحت السطر:
الطريق لا يتذكر مَن كان على حق بعد وقوع الحادث، لكنه يحتفظ دائمًا باسم مَن فَقَدَ حياته. لذلك تبقى الوقاية هي القرار الوحيد الذي لا يندم عليه أحد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store