Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الأمن الديموغرافي للمملكة

A A
تُمثِّل الثروةُ البشريَّة الركيزة الأساسيَّة، والعمود الفقري الذي تنطلق منه رُؤية السعوديَّة 2030 نحو مستقبلٍ إستراتيجيٍّ جديدٍ، فالإنسانُ ليس فقط مستهدَف التنمية، بل هو صانعُها والمُحرِّكُ الأساسُ لاقتصادها واستقرارها الاجتماعيِّ، ومن هذا المنطلق، تبرز التحوُّلات الديموغرافيَّة المتسارعة اليوم كملفٍّ إستراتيجيٍّ بالغ الحساسيَّة، يتجاوز كونه مجرَّد أرقام إحصائيَّة؛ ليُصبح قضيَّة سياديَّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الديموغرافيِّ الوطنيِّ.
ومع ظهور الإحصاءات الرسميَّة الأخيرة، التي تُشير إلى وصول معدَّل الخصوبة الإجمالي العام في المملكة إلى طفلين لكلِّ امرأة، وهو ما يضع المعدَّل دون مستوى الإحلال السكانيِّ الطبيعيِّ المقدَّر 2.1، يبرز سؤالٌ إستراتيجيٌّ جوهريٌّ حول آليَّات الاستجابة الوطنيَّة المبكِّرة، إنَّ هذا التراجع ليس ظاهرةً عابرةً، بل تحوُّل هيكلي يترتَّب عليه انكماش القاعدة الشبابيَّة التي تُعدُّ مصدر الحيويَّة، مقابل اتِّساع قمَّة الهرم السكانيِّ؛ ممَّا يفرض أعباءً مستقبليَّةً مضاعفةً على أنظمة الرعاية الصحيَّة والضمان الاجتماعيِّ.
والدرس الأهم المستفاد من التجارب الدوليَّة السابقة، كدول شرق آسيا وغرب أوروبا، هو أنَّ سياسات التَّحفيز المتأخِّرة غالبًا ما تفقد فاعليتها، فإذا اعتاد المجتمعُ نمط الأسرة الصَّغيرة أصبح من الصَّعب إعادة توجيه بنيته الثقافيَّة، ومن هنا تتجلَّى أهميَّة التحرُّك المبكِّر برُؤية سعوديَّة مصمَّمة خصيصًا لتتلاءم مع الهويَّة الوطنيَّة والقيم الإسلاميَّة والخصوصيَّة الثقافيَّة للمجتمع.
إنَّ إيجاد حلول جذريَّة لهذا الملف، يتطلَّب غوصًا عميقًا في تفاصيل الواقع المعيشيِّ الشاب، فالجيل الحالي يواجه تحدِّيات جديدة تؤثِّر مباشرةً على قرارات الزَّواج والإنجاب، أبرزها التكاليف الاقتصاديَّة، وارتفاع أسعار السكن، إلى جانب التحدِّيات المتعلِّقة بالتوازن بين التمكين المهنيِّ للمرأة والاستقرار الأسريِّ، وفي هذا الصدد، تُعدُّ القرارات الأخيرة المدعمة لإنشاء حاضنات الأطفال في مقرَّات العمل، وتفعيل العمل عن بُعد خطوات مباركة، يُؤمَّل توسيع نطاقها، وتعميمها على القطاع الخاص؛ لتمكين الأم العاملة.
ختامًا، لن تكتمل صياغة الحلول المستدامة لحماية أمننا الديموغرافيِّ دون فتح أبواب الحوار الوطنيِّ الشفَّاف، وإشراك القوى الشابَّة والخبراء، والاستماع إلى الشباب، وفهم واقعهم هو الخطوة الأولى نحو بناء إستراتيجيَّة وطنيَّة تُقدِّم محفِّزات ذكيَّة تشجِّع على تكوين الأسر واستقرارها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store