Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.سعود الغربي

«الإعلام الرسمي».. مؤسسات سيادية لا تقبل الاجتهاد

A A
في زمنٍ أصبحت فيه المعلومةُ تُنتَجُ في ثوانٍ، والشَّائعةُ تنتشرُ قبل أنْ تُدقَّق، والمنصَّات الرَّقميَّة تتنافسُ على جذب الانتباه أكثرَ من تحرِّي الحقيقة، يبرزُ سؤالٌ جوهريٌّ، وهو: هل ما زال للإعلامِ الرسميِّ دورُه؟ والإجابة التي تؤكِّدها التجاربُ الدوليَّةُ هي: نعم، بل ربَّما أصبحَ أكثر أهميَّة من أيِّ وقت مضى.
فلا توجد دولةٌ مؤثِّرةٌ في العالم تفرِّط في إعلامها الرسميِّ؛ لأنَّ التلفزيون والإذاعة الوطنيَّين ليسا مجرَّد قنواتٍ للبثِّ، وإنَّما مؤسَّستان سياديَّتَان تعبِّران عن هويَّة الدولة، وتحفظَان ذاكرتَها، وتنقلَان رسالتَها إلى الداخل والخارج. وحين تمرُّ الدولُ بالأزمات، أو الحروب، أو الكوارث، أو التحوُّلات الكُبْرى، يعود الجميعُ إلى الإعلام الرسميِّ؛ لأنَّه المرجعيَّة الأكثر مسؤوليَّة، والصَّوت الذي يتحدَّث باسم الدَّولة، لا باسم الأفراد، أو المصالح التجاريَّة.
وفي المملكة، لم يكن التلفزيون والإذاعة مشروعًا إعلاميًّا عابرًا، بل كانا جزءًا من مشروع بناء الدَّولة الحديثة. فمنذُ البداياتِ الأُولى بإمكاناتٍ متواضعةٍ، انطلقت رحلةٌ طويلةٌ من العمل المؤسسيِّ، تعاقبت خلالها أجيالٌ من القيادات، والإعلاميِّينَ، والمذيعِينَ، والمخرجِينَ، والمهندسِينَ، والفنيِّينَ، حتَّى أصبحت المملكةُ تمتلكُ منظومةً إعلاميَّةً وطنيَّةً راسخةً، واكبتِ التحوُّلاتِ التقنيَّة، وحافظت -في الوقتِ ذاتِه- على رسالتِها الوطنيَّة.
ومن الإنصاف أنْ ندركَ أنَّ المؤسَّسات الحكوميَّة لا تُبنَى بمنطقِ القفزات المفاجئة، وإنَّما بمنهجِ التراكم. فالعراقةُ ليست عمرًا زمنيًّا فحسبْ، بل خبرات متراكمة، وأنظمة عمل، وثقافة مؤسسيَّة، وذاكرة مهنيَّة تنتقل من جيلٍ إلى آخرَ. ولهذَا فإنَّ قوَّة الإعلام الرسميِّ لم تكنْ نتاج مرحلةٍ واحدةٍ، أو إدارةٍ بعينها، بل حصيلة عقودٍ من البناء والتَّطوير والتَّحديث المُستمر.
لقد وثَّق التلفزيونُ السعوديُّ، والإذاعةُ السعوديَّة تاريخَ الوطن الحديث، من خطاباتِ الملوك، والمناسبات الوطنيَّة، والزيارات التاريخيَّة، إلى مواسم الحجِّ، والنهضة التنمويَّة، والنجاحات الرياضيَّة، والفعاليات الثقافيَّة. إنَّه الأرشيفُ الذي يحفظُ ذاكرة المملكة، والمرآة التي عكست تحوُّلات المجتمعِ والدَّولة على مدى عقودٍ، وهي مهمَّة لا تستطيعُ المنصَّاتُ السَّريعة أنْ تؤدِّيها مهما بلغت شعبيتها.
ومع مراحل إعادة الهيكلة، التي شهدها قطاع الإعلام، أُغلقت بعض القنوات والمحطَّات الإذاعيَّة، وأُعيد تنظيم عدد من الكيانات تحت مبرِّرات ترتبط برفع الكفاءة، وترشيد الإنفاق، وإعادة توزيع الموارد. ورغم أهميَّة التطوير الإداريِّ والماليِّ، فإنَّ أيَّ عمليَّة تحديث ينبغي ألَّا تكون على حساب الحضورِ السياديِّ للإعلام الرسميِّ، أو تنوع منصَّاته، أو تراكمه المهني.
كما أنَّ خصوصيَّة الإعلام الرسميِّ تقتضي الحفاظ على هويَّته المؤسسيَّة، وثقافة العمل الحكومي التي تقوم على الاستقرار، والانضباط، واستيعاب طبيعة الرسالة الوطنيَّة. فالتطويرُ الحقيقيُّ لا يعني القطيعة مع الخبرات المتراكمة، بل توظيفها والبناء عليها؛ لأنَّ المؤسَّسات العريقة تكتسبُ قوَّتها من قدرتها على التجديد، من دون التفريط في هويتها، وهذا ربما حدث بشكل أو آخرَ لهويَّة عددٍ من قنواتِنا ومحطَّاتِنا الإذاعيَّة؛ بحجة «العصرنة».
واليوم، ومع التحوُّل الكبير الذي تعيشه المملكةُ في ظلِّ رُؤية 2030، لم يعد المطلوب من الإعلام الرسميِّ أنْ يكتفي بالمحافظة على إرثِه، بل أنْ يقود مرحلةً جديدةً من التَّطوير، مستفيدًا من الذكاءِ الاصطناعيِّ، والإنتاج الرقميِّ، والمنصَّات التفاعليَّة، مع الحفاظ على المصداقيَّة، والهويَّة الوطنيَّة التي صنعت مكانته عبر السِّنين.
إنَّ الدُّول لا تُقاس فقط بقوَّة اقتصادها، أو قدراتها العسكريَّة، بل أيضًا بقدرتها على امتلاك روايتها، وصناعة خطابها، وحفظ ذاكرتها. والإذاعة والتلفزيون الرسميَّان هُما الوعاء الذي يحتضن تلك الرِّواية، ويصوغها بمهنيَّة ومسؤوليَّة، وينقلها للأجيال وللعالم.
ولهذا، فإنَّ الاستثمار في الإعلام الرسميِّ ليس إنفاقًا على قطاع خدميٍّ، بل استثمار في الأمن الوطنيِّ، وفي القوَّة النَّاعمة، وفي الهويَّة الثقافيَّة، وفي الثقة العامَّة. فالإعلامُ الرسميُّ مؤسَّساتٌ سياديَّةٌ لا تقبل الاجتهادات العابرة، ولا ينبغي أنْ تخضع لمنطق الحلول المؤقَّتة، أو الحسابات الضيِّقة؛ لأنَّ أثرها يمتدُّ إلى تشكيل الوعي الوطنيِّ، وصناعة صورة الدَّولة. فالدُّول التي تفقد صوتَها، تتركُ الآخرِينَ يتحدَّثُون عنها، أمَّا الدولُ الواثقةُ من رسالتِها، فإنَّها تحرصُ دائمًا على أنْ يكون لها صوتٌ واضحٌ، راسخٌ، ومؤسسيٌّ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store