وتقدم هذه المقتنيات شواهد مادية حية توثق مكانة جدة التاريخية بوصفها ميناءً رئيسًا على ساحل البحر الأحمر، وبوابةً رئيسية لوفود الحجاج المتجهين إلى مكة المكرمة، فضلًا عن كونها مركزًا محوريًّا للتبادل التجاري والثقافي الممتد بين الجزيرة العربية وإفريقيا وآسيا.
ويواصل معرض «كنوز غارقة: التراث البحري للبحر الأحمر» استقبال زواره حتى 15 يوم أغسطس الجاري في مبنى «باب البنط» التاريخي بجدة التاريخية، مواصلًا إتاحة الفرصة أمام الزوار لاستكشاف إرث البحر الأحمر.
تضم المعروضات النادرة قطعًا أثرية بارزة جرى اكتشافها خلال أعمال التنقيب الأثري في مسجد الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، والذي يُعد أحد أقدم وأبرز المعالم الإسلامية في جدة التاريخية.
وتعود هذه المكتشفات الموثقة علميًّا إلى الفترة الممتدة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر الميلاديين، في دلالة واضحة تؤكد استمرارية النشاط التجاري والحضاري المتدفق الذي شهدته المدينة عبر تلك الحقبة الزمنية.
يبرز من بين القطع المستعرضة مصباح زيتي فريد يعود إلى عام 1880م استُقدم من جنوب شبه الجزيرة العربية، إلى جانب مجموعات من الخزف الفاخر المستورد من الصين والتي يعود تاريخها إلى القرنين السابع عشر والتاسع عشر الميلاديين.
وتعكس هذه المواد بدقة مدى اتساع شبكة العلاقات التجارية واللوجستية التي ربطت ميناء جدة بموانئ الشرق الأقصى، كما تُرسخ الدور الإستراتيجي الذي لعبه البحر الأحمر كشريان نابض لحركة السلع وانتقال الثقافات بين القارات.
وتكشف المقتنيات الأثرية، بتنوع موادها وتعدد أصولها الجغرافية، عن حجم الازدهار الذي بلغته حركة التجارة البحرية في جدة.
وتدعم هذه الاكتشافات ما أثبتته الدراسات الأثرية والميدانية من أن مسجد الخليفة عثمان بن عفان -والذي تعود جذوره إلى القرن الأول الهجري- ظل شاهدًا على تعاقب الحضارات لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا؛ وهو ما يترجم المكانة التاريخية التي اكتسبتها جدة منذ أن أمر الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بتحويل ميناء مكة المكرمة من «الشعيبة» إليها، لتتحول منذ ذلك التاريخ إلى الميناء والمنطلق الرئيس للتجار وضيوف الرحمن.
وفي هذا الإطار، يواصل معرض «كنوز غارقة» تقديم قراءة علمية وتاريخية رصينة لمسيرة الملاحة والتجارة في البحر الأحمر، مستعرضًا فصولًا من تاريخ التواصل الحضاري الذي احتضنته سواحل المملكة.
وتأتي هذه الخطوات لتسليط الضوء على الجهود الوطنية الدؤوبة في صون الإرث الثقافي العريق، وإعادة إحياء منطقة «جدة التاريخية» وتأهيلها بوصفها وجهة ثقافية وسياحية عالمية، انسجامًا مع المستهدفات الطموحة لرؤية السعودية 2030.


