وردتْ إشارةٌ في مقالي الاثنين الماضي، عن لقاءِ يالطا، فسألنِي بعضُ الأحبَّة عنه، وعن تفاصيله. والحرب العالميَّة الثَّانية (1939- 1945م) تلفظُ أنفاسَها ارتَأَى المنتصرُونَ الثلاثة: الرئيس السوفيتي جوزيف ستالين، والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، ضرورةَ عقد لقاءٍ لتوزيع الغنائم، وتقرير مصير الخاسرِين: ألمانيا، واليابان، وإيطاليا. فتقرَّر اللقاءُ بأنْ يكون في قصر ليفاديا مدينة يالطا السوفيتيَّة في شبه جزيرة القِِرم، على ضفاف البحر الأسود، في 4-11 فبراير 1945م.
ظاهرُ المؤتمر كان بحثَ حالاتِ السلمِ بعد الحَرب، ورسم صورةِ النظامِ العالميِّ الجديد، وعدم تكرار الحرب، ووضع حدٍّ لأيِّ تجاوزاتٍ وروحٍ عدائيَّة، كما ظهرت في المستشار الألماني هتلر، وأعوانه، والتي كانت سببًا لنُشوب الحرب. خرج المؤتمرُ بقراراتٍ مصيريَّةٍ وضعت أسس النِّظام العالميِّ الجديد لما بعد الحربِ العالميَّة الثَّانية، وتمَّ توزيعُ الغنائم بين المنتصرِينَ، وتحديدًا الثلاثة الكبار -كما كانُوا يُسمُّونَ- ستالين، وروزفلت، وتشرشل، واستسلام ألماني كامل، وبدون شروط، وتوزيع ألمانيا وبرلين إلى أربع مناطق احتلال سوفيتيَّة، وأمريكيَّة، وبريطانيَّة، وفرنسيَّة، وخضوع ألمانيا بالكامل منزوعة السِّلاح، وتفكيك الحزب النازيِّ الذي أنشأه هتلر، ومحاكمة قادته في محكمةِ حربٍ خاصَّة عُرفَت باسم "محاكمات نورنبيرغ"، وقد تمَّ عمل فيلم 2025م عنها، شاهدته مؤخَّرًا بعنوان "نورنبيرغ". كما وأُجبرت ألمانيا على دفع تعويضاتِ الحرب كليَّةً، وبذلك تحوَّلت من دولةٍ عسكريَّةٍ عُظمَى، إلى دولةٍ مُحتلَّةٍ، وإنْ كان هذا أفادَها بعد ذلك كثيرًا، عندما ركَّز الألمانُ على إعادة بناء بلادهم، وتطويرها بما جعلها اليوم -بعد توحيدِهَا- قوَّة اقتصاديَّة كُبَرى، والأولى في كامل القارَّة الأوروبيَّة.
رغم أنَّ الحرب العالميَّة الثانية لم تكنْ قد انتهت قبل المؤتمر، إلَّا أنًَ المؤتمر وضع الأُسس والتَّرتيبات التي تمَّ تطبيقها بعد نهاية الحرب، وأصبحت ألمانيا دولتَين متنافستَين: ألمانيا الشرقيَّة، ومرتبطة كليَّة بالفلك السوفيتيِّ، وألمانيا الغربيَّة، ومرتبطة كليَّةً في الفلك الأمريكيِّ، وخرجت كلٌّ من الولايات المتحدة الأمريكيَّة، والاتحاد السوفيتي قوَّتين عالميَّتَين عظمَيينِ تتوزَّعان العالم، وقسَّمتَاهُ إلى شطرَينِ: الشرقي ويدور في فلك السوفييت، والغربي ويدور في فلك الأمريكيِّين، وتمَّ إنشاء منظمَّتَين عسكريَّتَين: حلف وارسو، بقيادة الاتحاد السوفيتي، ومقرُّه مدينة وارسو في بولندا، وحلف الأطلسي، ومقرُّه مدينة بروكسل في بلجيكا، وحلف وارسو لم يعدْ له وجود بعد انهيار الاتحاد السوفيتيِّ في مطلع التسعينيَّات الميلاديَّة الماضية، بينما حلف الأطلسي لا يزال قائمًا وفاعلًا.


