تأتي «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربيَّة السعوديَّة وتركيا وباكستان؛ في توقيت إقليميِّ تتسارع فيه التحدّيات الأمنيَّة، وتتغيَّر طبيعة المخاطر. ومن هنا، فإنَّ قراءة الاتفاقية تحتاج إلى تجاوز التفسير التقليدي؛ الذي يضع أيَّ تعاون دفاعي في إطار تشكيل المحاور، أو سباقات التسلح.
جوهر الاتفاقية، كما ورد في البيان المشترك، يرتبط بتعزيز الأمن المشترك، ورفع مستوى الردع أمام أي اعتداء، وتطوير أوجه التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث. وهي معادلة تستند إلى بناء القدرة والاستعداد؛ بهدف حماية الاستقرار ومنع التصعيد قبل وقوعه.
البند الذي ينص على أنَّ أيَّ هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يمثِّل هجومًا على الجميع، يحمل رسالة ردعية واضحة. فالمعتدي المحتمل يواجه حسابات مختلفة عندما يدرك أنَّ استهداف دولة واحدة قد يستدعي موقفًا مشتركًا من ثلاث دول؛ تمتلك إمكانات ومواقع جغرافية، وخبرات عسكرية متكاملة.
مع ذلك، لا تعني هذه المعادلة البحث عن المواجهة، وإنَّما رفع تكلفة الاعتداء، بما يجعل خيار الحرب أقل جاذبية. فالردع الفاعل في جوهره أداة لحماية السلام، والقوة حين تقترن بالمسؤولية تصبح وسيلة لمنع الصراع.
وتبرز أهمية الاتفاقية أكثر عند النظر إليها من زاوية بناء القدرات الذاتية. فالأمن المستدام لا يعتمد على امتلاك المعدات العسكريَّة فقط، وإنَّما على تطوير المعرفة والتقنية والكوادر والصناعات والأنظمة؛ التي تمكن الدول من حماية مصالحها بكفاءة على المدى الطويل.
وهنا تملك الدول الثلاث مقوِّمات يمكن أن تتكامل. السعودية بثقلها الاقتصادي وموقعها الإستراتيجي ومسارها المتسارع في توطين الصناعات الدفاعيَّة، وتركيا بخبرتها الصناعيَّة والتقنية المتقدمة، وباكستان بقدراتها العسكرية وخبرتها الدفاعية وموقعها الإستراتيجي. الجمع بين هذه المقوِّمات يمكن أنْ يفتح مجالات أوسع للتدريب والتطوير والتقنيات الدفاعية، والأمن السيبراني والأنظمة غير المأهولة، وحماية المنشآت والممرات الحيويَّة.
ومن المهم أيضًا ألا تُقرأ الاتفاقية باعتبارها مشروعًا لتكتل طائفي. البيان يربط العلاقات بين الدول الثلاث بروابط تاريخيَّة وإسلاميَّة، بينما هدف الاتفاقية المعلن هو الدفاع وتعزيز الأمن والسلام والاستقرار. كما أنَّها لا تقدم نفسها كمشروع موجَّه ضد شعب أو دولة أو مذهب.
لذلك، فإنّ القيمة الحقيقية لاتفاقية مكَّة ستظهر في قدرتها على الانتقال من التضامن السياسي إلى بناء قدرات عملية ومستدامة. فالمعادلة هنا لا تقوم على سؤال: مَن يقفُ ضدَّ مَن؟ وإنَّما على سؤال أكثر أهمية: كيف تمتلك الدول القدرة التي تحمي أمنها؛ وتمنح شعوبها مساحة أكبر للسلام والتنمية؟.
اتفاقية مكَّة بهذا المعنى ليست إعلانًا عن سباق تسلُّح، وإنَّما خطوة نحو أمن أكثر اعتمادًا على القدرة الذاتية، وردع أكثر فاعليَّة، وتعاون دفاعي هدفه النهائي حماية الاستقرار.


