Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

الحوثي واختبار التحالفات السعودية الجديدة

A A
لم تعد الاعتداءات الحوثية الأخيرة مجرد فصل جديد في أزمة يمنية ممتدة، بل تحولت إلى اختبار أوسع لمنظومة الأمن الإقليمي التي تعمل السعودية على بنائها، من اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، إلى التحالف البحري متعدد الجنسيات لحماية البحر الأحمر، مرورًا بعلاقات المملكة مع إيران ومساعيها لتجنيب المنطقة حربًا جديدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تقود الاعتداءات الحوثية إلى موجة جديدة من العنف الإقليمي؟
الاحتمال قائم، خصوصًا إذا واصل الحوثيون توسيع نطاق هجماتهم جغرافيًا ونوعيًا، باستهداف الأراضي السعودية ومنشآت الطاقة والملاحة في البحر الأحمر. لكن ذلك لا يعني حتمية العودة إلى حرب شاملة في اليمن. فالسعودية، بعد تجربة طويلة في مواجهة الانقلاب الحوثي، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى استراتيجية تقوم على الردع المحسوب، والدفاع عن أراضيها، واستهداف مصادر التهديد عند الضرورة، مع إبقاء باب الحل السياسي مفتوحًا.
ويأتي التصعيد بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على اعتبار الاعتداء على أحد الأطراف اعتداءً على الجميع. ومن الطبيعي أن يطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت الاعتداءات الحوثية ستؤدي إلى تفعيل هذا المبدأ.
لكن ينبغي التمييز بين «الدفاع الجماعي» و«الحرب الجماعية». فاعتبار الهجوم على دولة اعتداءً على حلفائها لا يعني بالضرورة دخولهم الحرب بصورة آلية. وحتى المادة الخامسة الشهيرة من ميثاق حلف شمال الأطلسي لا تفرض ردًا عسكريًا واحدًا ومحددًا على جميع الأعضاء، بل تتيح لكل دولة تحديد طبيعة مساهمتها.
وبالتالي، فإن اختبار مصداقية اتفاقية مكة ليس في إرسال قوات تركية أو باكستانية إلى اليمن، وإنما في قدرة الدول الثلاث على تحويل الاتفاقية إلى منظومة ردع حقيقية. وقد تكون المساندة الاستخباراتية، والدفاع الجوي والصاروخي، ومكافحة المسيّرات، والمراقبة البحرية، والتعاون التقني واللوجستي، أكثر فاعلية في المرحلة الحالية من التدخل العسكري المباشر.
فتركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وخبرة في الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وأنظمة الدفاع الجوي، فيما تمتلك باكستان قدرات عسكرية واستخباراتية كبيرة، فضلًا عن تاريخ طويل من التعاون الدفاعي مع السعودية. وهكذا قد يكون أول تطبيق عملي لاتفاقية مكة بناء قدرات دفاعية متكاملة ترفع مستوى الردع، بدلًا من فتح جبهة حرب جديدة.
وتزداد أهمية هذا المفهوم مع انتقال التهديد الحوثي إلى طرق التجارة والملاحة الدولية. فالاعتداء على الأراضي السعودية يتعلق بحق المملكة السيادي في الدفاع عن نفسها، لكن الاعتداء على ناقلات النفط والسفن التجارية وتهديد باب المندب وشمال البحر الأحمر ليس شأنًا سعوديًا أو يمنيًا فحسب، بل تهديد لممر بحري دولي حيوي للتجارة وإمدادات الطاقة.
ومن هنا تبرز أهمية التحالف البحري متعدد الجنسيات الذي أسسته السعودية. فهو قادر على توسيع دائرة المواجهة مع التهديد، لا الحرب، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة والاستطلاع، والإنذار المبكر، ومرافقة السفن التجارية، والتنسيق بين القوات البحرية والدفاعات الجوية للدول المشاركة.
والأهم سياسيًا أن هذا التحالف يسحب من الحوثيين القدرة على تصوير المواجهة باعتبارها حربًا بين السعودية واليمن. فحين تستهدف جماعة مسلحة الملاحة الدولية، تصبح المواجهة بينها وبين مجتمع دولي تتعرض مصالحه وأمنه الاقتصادي للخطر.
أما استهداف منشآت الطاقة السعودية، فهو أخطر أدوات التصعيد، ليس بالضرورة بسبب الضرر المباشر الذي تحدثه ضربة واحدة، وإنما لما تتركه سلسلة الهجمات من أثر على الأسواق العالمية. فالسعودية بنت خلال العقود الماضية شبكة طاقة تتمتع بدرجة عالية من المرونة والقدرة على التعامل مع الطوارئ، ولذلك لا يعني نجاح هجوم على منشأة بعينها تعطيل الإنتاج أو الصادرات بصورة مؤثرة.
لكن أسواق النفط لا تتحرك وفق البراميل المفقودة وحدها، بل وفق توقعات المخاطر أيضًا. فإذا تحولت الهجمات إلى حملة مستمرة تستهدف منشآت الإنتاج والتكرير وخطوط الأنابيب وموانئ التصدير والناقلات في البحر الأحمر، فإن الأسواق ستضيف علاوة مخاطر جيوسياسية إلى أسعار النفط، خصوصًا في وقت تعاني فيه المنطقة أصلًا توترات مرتبطة بأمن مضيق هرمز.
ويبقى العنصر الأكثر تعقيدًا هو إيران. فالحوثيون جزء من محور إقليمي يرتبط بطهران سياسيًا وعسكريًا، ولا يمكن فصل تصعيدهم تمامًا عن المشهد الإقليمي الأوسع. وفي المقابل، بنت السعودية خلال السنوات الأخيرة سياسة تقوم على خفض التصعيد مع إيران والحوار معها، دون التخلي عن حقها في مواجهة أي تهديد لأمنها وسيادتها.
وهنا تحتاج الرياض إلى إدارة مسارين متوازيين: ردع الحوثيين من جهة، ومنع تحول المواجهة معهم إلى حرب سعودية - إيرانية من جهة أخرى. والرسالة لطهران واضحة: المملكة لا تبحث عن مواجهة مع إيران، لكن لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي في العلاقات بين دول المنطقة بينما تستمر جماعات مسلحة مرتبطة بها في استهداف دول الجوار وتهديد الملاحة الدولية.
والرسالة للحوثيين أكثر مباشرة: رغبة السعودية في السلام لا تعني القبول بالاعتداءات، وضبط النفس ليس عجزًا عن الرد.
وهنا تكمن، في تقديري، أهم ملامح المرحلة الجديدة. فالسعودية لا تحتاج إلى الاختيار بين الصمت على الاعتداءات أو العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن. هناك مساحة واسعة بين الخيارين، عنوانها الردع والتحالفات والدبلوماسية.
واتفاقية مكة، والتحالف البحري، والشراكات الدولية، والقدرات العسكرية السعودية، كلها أدوات لتوسيع دائرة الردع وتقليص العبء الذي تتحمله المملكة منفردة. فالهدف ليس توسيع الحرب، بل رفع تكلفة الاعتداء ومنع تكراره، وحماية الأراضي السعودية ومصالحها ومنشآتها، وضمان أمن البحر الأحمر، مع إبقاء الطريق مفتوحًا أمام التسوية السياسية في اليمن والحوار الإقليمي.
وتلك هي المعادلة الأصعب والأجدى: ردعٌ يمنع الحرب، لا ردٌّ يشعلها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store