قبل أن ينشر لي أول مقال في الصحف، كان هناك رجل يقف خلف كاتبة السطور، يضيء لها الطريق كلما تعثرت، ويمنحها من ثقته ما يفوق ثقتها بنفسها. لم أنس فضله، ولا يزال اسمه يحضر في خاطري كلما نشر لي مقال.
كان تخصصي الأدب الإنجليزي، وكانت لغتي العربية يومها ضعيفة، لكن شغف الكتابة كان أقوى من التردد.
حملني ذلك الشغف إلى التواصل مع معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر، رحمه الله، وكان قلبه كبيرا يشبه قارة، تتسع أبوابه للمواهب الصغيرة، وتجد عنده الكلمة الناشئة مكانا آمنا لتنمو.
أرسلت إليه مقالي الأول عبر جهاز الفاكس، وأنا كاتبة مغمورة لا يعرفها أحد.
قرأ المقال، وصحح أخطائي، وشجعني على الاستمرار. ومنذ ذلك اليوم، بقيت مدة لا أرسل مقالا إلى صحيفة حتى يمر أولا بين يديه؛ أتعلم من ملاحظاته، وأطمئن إلى رأيه، وأعيد النظر في عباراتي.
وكان أكثر ما يثير دهشتي ذلك الاهتمام الكبير بكاتبة لا تزال تقف في أول الطريق. لم يكن يرى النص كما هو فقط، بل كان يرى ما يمكن أن يصبح عليه صاحبه إذا وجد الرعاية والتشجيع.
هناك أدركت أن الكبار لا تكشفهم مناصبهم وحدها، بل تكشفهم قدرتهم على الأخذ بأيدي المبتدئين، وأن كلمة واحدة صادقة قد تغير طريق إنسان بأكمله.
واليوم أعلم أن بدايتي لم تكن عندما نشر لي أول مقال، بل عندما آمن عبدالعزيز الخويطر بمحاولتي الأولى، وفتح أمامي باب الكتابة.
رحمه الله؛ فقد غاب الرجل، وبقي أثره في كل سطر.


