لم يمت الموظَّف من كثرة العمل، بل من كثرة إثبات أنَّه يعمل.
يقضي ساعاتٍ يؤدِّي مهمَّته، ثمَّ يقضي مثلها يوثِّق أنَّه أدَّاها، ثمَّ يعود في نهاية الشهر ليملأ النَّماذج التي تثبت أنَّه ملأ النماذج السَّابقة، وفي نهاية العام تُعلَّق على اسمه شارة خضراء، تخبره بأنَّه حقق 98% من مؤشِّرات الأداء، بينما لم يعد يتذكَّر أصلًا لماذا وُجدت تلك المؤشِّرات.
ليست المشكلة في الأرقام، ولا في القياس، ولا في مؤشِّرات الأداء نفسها، لسنا ضدَّها، فالمؤسَّسات التي لا تقيس أداءها محكومة بالتَّخمين أكثر من المعرفة، لكن بين الحكمة والعبادة خطوةٌ قصيرةٌ، وربَّما أنَّ بعض المؤسَّسات قد قطعتها كاملةً، فتحوِّل المؤشِّر من وسيلةٍ إلى غايةٍ، من بوصلةٍ إلى وجهةٍ، من خادمٍ للعملِ إلى سيدٍ يجلسُ على كرسيِّ الإدارة.
كان بيتر دراكر يرى أنَّ ما يمكن قياسه يمكن تحسينه، وهي فكرةٌ أسهمت في تطوير الإدارة الحديثة، غير أنَّ الخطأ بدأ عندما أُسيء فهمها، فأصبح ما لا يمكن قياسه يُعامل وكأنَّه لا يستحقُّ الاهتمام، ثمَّ جاء الاقتصاديُّ تشارلز غودهارت؛ ليضع إصبعه على الجرح بقانونه الشَّهير "عندما يصبح المقياس هدفًا، يتوقَّف عن كونه مقياسًا جيدًا"، وبين الفكرتين تختبئُ معضلة عصرنا، فليست كلُّ قيمة قابلةً للقياس، وليس كلُّ ما يُقَاس ذا قيمةٍ.
فالإنسانُ يتكيَّف مع النِّظام الذي يكافئه. فإذا كُوفئ على السَّرعة اختصر الطريق، وإذا كُوفئ على العدد تضخَّم العدد، ولو انكمشت الجودة. وإذا كُوفئ على التَّقارير تكاثرت التَّقارير، حتى ضاق الوقتُ عن العمل الذي كُتبت من أجله، وهكذا لا يعود النجاح هو إنجازُ المهمَّة، بل إنجازُ ما يجعل المؤشِّر يبدو ناجحًا.
وتبدُو المفارقة أكثر مرارةً في مجالات التَّعليم والصحَّة، وهما المجالان اللَّذان يُفتَرض أنْ يكون الإنسانُ فيهما هو الغاية، فقد يصبحُ الأستاذُ الجامعيُّ منشغلًا بعدد الأوراق المنشورة، أكثر من عدد العقول التي أيقظها، ويصبحُ الطبيبُ مطالبًا بإنهاء الزِّيارة في دقائقَ معدودةٍ؛ لأنَّ زمن الانتظار أصبح مؤشِّرًا حتى وإنْ خرج المريضُ وهو يشعر أنَّه كان رقمًا آخرَ في قائمةٍ طويلةٍ.
ولم تعد هذه مجرَّد ملحوظات أدبيَّة. فالمراجعات والدِّراسات العلميَّة الحديثة تشيرُ إلى أنَّ الإفراط في الاعتماد على مؤشِّرات الأداء والحوافز قد يؤدِّي إلى آثار غير مقصودةٍ، منها تضييق مفهوم الجودة إلى ما يسهل قياسه، وإهمال الجوانب الإنسانيَّة التي يصعب اختزالها في رقمٍ، وفي المقابل تتزايد الأدلَّة على أنَّ رفاه الموظف واستقلاليته المهنيَّة، وشعوره بالعدالة والثِّقة ترتبطُ بأداء أعلى، وإبداع أكبر، وجودة أكثر استدامةً، فالإنسانُ ليس عائقًا أمام الأداء، بل هو مصدره الأوَّل.
ولعل بيتر فليمنغ لخَّص هذه المفارقة ببراعةٍ في كتابه Dark Academia: How Universities Die إذ لم يرثِ الجامعة؛ لأنَّها توقَّفت عن إنتاج المعرفة، بل لأنَّها أصبحت منشغلةً بإنتاج الأدلَّة على أنها تنتج المعرفة، إنها صورة تختصر كثيرًا من مؤسَّسات عصرنا، فكلَّما ازدادت التقارير، قلَّ الوقتُ المتاحُ للعمل الذي كُتبت التَّقارير من أجله.
إنَّنا لا نحتاجُ إلى مؤسَّسات بلا مؤشِّرات، بل إلى مؤسَّسات تعرف مكانها الحقيقي، فالمؤشر شاهدٌ وليس قاضيًا، ودليلٌ لا عقيدة، وأداةٌ تعين على اتِّخاذ القرار لا بديلًا عن الخبرة، ولا عن الضَّمير، ولا عن الحكمة.
فالرقمُ نافذةٌ نطلُّ منها على الواقع، وليس الواقع كله، وعندما نكسرُ الجدار؛ كي نحافظ على النَّافذة قد نحصل على مؤشِّرٍ ممتازٍ ومؤسَّسةٍ لم يعد فيها ما يستحقُّ القياس.
والرقم خادمٌ بارعٌ، لكنَّه سيدٌ سيئٌ، وما إنْ نجلسه على كرسيِّ الإدارة، حتى يبدأ بأكل صاحبه.


