عندما يُذكر مفهوم جودة الحياة، يتجه التفكير غالبًا إلى الخدمات والبنية التحتية، والحدائق والمرافق الرياضية والفعاليات الثقافية، وكلها بلا شك عناصر مهمة، لكنها ليست الصورة الكاملة، فهناك جانب آخر أقل ظهورًا، لكنه أكثر تأثيرًا في راحة الإنسان، وهو جودة الحياة الاجتماعية، أي مقدار ما تمنحه البيئة المحيطة للفرد من شعور بالبساطة والعفوية، بعيدًا عن التكلف واستنزاف الطاقة في إدارة الانطباعات، والانشغال بنظرات الآخرين وأحكامهم السطحية.
لقد أدركت، بعد سنوات من السفر والاحتكاك بمجتمعاتٍ مختلفة، أن أكثر الأماكن التي أشعر فيها بالارتياح ليست بالضرورة الأجمل طبيعةً أو الأفضل طقساً، وإنما أيضا تلك التي أستطيع فيها أن أكون على طبيعتي.. أماكن لا أشعر فيها بأن عليّ أن أفكر كثيرًا في أين أجلس، أو ماذا أرتدي عند خروجي للتسوق أو ممارسة الرياضة، أو كيف سيقرأ الآخرون كل حركة أقوم بها. ذلك الإحساس بالعفوية يمنح الإنسان راحة يصعب وصفها، وربما لهذا السبب نغفل أحيانًا عن قيمته.
وتختلف المجتمعات، بل وحتى المدن داخل البلد الواحد، في مقدار ما تفرضه من «تكلفة اجتماعية» على الفرد، فهناك بيئات يكون فيها التفاعل الإنساني بسيطاً وعفويًا، لا يستدعي الانشغال الزائد بنظرات الآخرين وأحكامهم، أو بالطقوس الاجتماعية الشكلية غير المكتوبة.
وفي المقابل، توجد بيئات أخرى تمنح تلك التفاصيل وزنًا كبيرًا مبالغًا فيه، فمكان الجلوس، والقرب من كبار الحضور، والملابس، ونوع السيارة، قد تتحول - ولو عند بعض الناس- إلى رسائل تعكس المكانة والوجاهة أو النفوذ. وربما شاهد كثيرون مواقف يدخل فيها بعض الحاضرين في سباق محرج ومخجل للفوز بمقعد قريب من صدر المجلس، أو رأس المائدة، وكأن الموقع أصبح يحمل قيمة تتجاوز وظيفته الطبيعية.
وبالتأكيد، لا تكمن المشكلة في التراتبية، وفي احترام العادات والتقاليد أو تقدير كبار السن وأصحاب المكانة، فهذه قيم أصيلة جميلة يجب المحافظة عليها ومراعاتها.. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاهتمام بالشكليات والمظاهر إلى عبء نفسي، فيصبح الإنسان منشغلًا بإدارة صورته - أو الترزز بالعامية- أكثر من انشغاله بالاستمتاع باللقاء نفسه. عندها تفقد المناسبات شيئًا من عفويتها، ويتراجع حضور الإنسان الحقيقي أمام حضور المظاهر الخادعة.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل هو، كم من طاقتنا اليومية نستهلكها في التفكير بما يظنه الآخرون عنا؟ وكم ستكون حياتنا أكثر راحةً وهدوءًا لو خففنا من هذا العبء غير المرئي؟.
البساطة ليست أبداً نقيضًا للرقي، والعفوية لا تعني غياب الذوق أو الاحترام، بل إن المجتمعات الأكثر نضجًا هي تلك التي تجعل الإنسان يشعر بأن قيمته تنبع من أخلاقه، وعلمه، وإنجازه، لا من مكان المقعد الذي جلس عليه، أو المسافة التي تفصله عن صدر المجلس، أو الساعة التي يرتديها والسيارة التي يقتنيها.
وربما آن الأوان أن نضيف إلى مفهوم جودة الحياة مؤشرًا جديدًا لا يظهر في التقارير والمؤشرات، لكنه حاضر في وجدان الناس وهو، إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يعيش على سجيته، دون أن يشعر بأنه مطالب في كل لقاء بإثبات مكانته؟، فحين تصبح البساطة ثقافة، لا مجرد سلوك فردي، تتحول الحياة إلى مساحة أوسع للراحة، وتصبح العلاقات أكثر صدقًا، ويصبح الإنسان أقرب إلى نفسه.. وذلك، في تقديري، أحد أجمل معاني جودة الحياة.


